من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (12)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

مِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

كثرة سؤالهم عن أحوال أصحابهم؛ وذلك لأجل أن يواسوهم بما يحتاجون إليه من الطعام، والثياب، والنقود، ووفاء الديون، وتحمل الهموم، وهذا الخُلُق صار أهله غرباء في هذا الزمان، فإن الناس اليوم على خلاف ذلك، وربما يقول أحدكم لصاحبه: "إيش حالكم؟" فيقول: "طيب"، ويكتم أمره؛ لعلمه بفراغ قلب صاحبه منه، وأن قوله: "إيش حالكم" بحكم العادة من غير ثمرة، كما هو مشاهد، بل وكثيرًا ما يقول المار على صاحبه: "إيش حالكم؟"، ولا ينتظر الجواب مثلًا! فلا السائل يتربص حتى ينتظر الجواب، ولا المسئول يكلِّف نفسه النطق بالجواب.

قال بعضهم: "إذا لم يكن أحدكم عازمًا على مواساة أخيه أو تحمل همومه أو الدعاء له، وإلا قلا يقولن: إيش حالكم؛ لأنه يعتبر نفاقًا".

كان السلف -رضي الله عنهم- يسأل بعضهم بعضًا عن أحوالهم لينبِّهوا الغافل على شكر الله -تعالى- فيشكره، فيحصل له ولهم الخير بذلك.

قيل لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت عبدًا ذليلًا لرب جليل، أصبحت مأمورًا بأمره".

وقيل للإمام الشافعي -رحمه الله-: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت آكل رزق ربي ولا أقوم بشكره".

وقيل لمالك بن دينار -رحمه الله-: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في عمر ينقص، وذنوب تزيد".

ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-: "عدم الغفلة عن محاربة إبليس والاجتهاد لمعرفة مكائده ومصائده، قال الله -تعالى-: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر:6).

وهذا الخُلُق قد أغفله كثيرٌ مِن الناس، فإن إبليس كما لا يَغفل عنا، فينبغي لنا أن لا نغفل عنه، فإنه بالمرصاد؛ حريص على وقوع العبد في سخط الله -تعالى-.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) (رواه مسلم).

كان الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى- يقول: "إن إبليس إذا ظفر مِن ابن آدم بإحدى ثلاث، قال: لا أطلب منه غيرها: إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه".

وكان وهب بن منبه -رحمه الله تعالى- يقول: "إياكم أن تعادوا الشيطان في العلانية وتطيعوه في السر، فإنه كل مَن بات عاصيًا، بات الشيطان لأجله عروسًا!".

فتنبَّه يا أخي لنفسك، وإياك أن تظن أن إبليس انقطع عنك حين ترى توالي عبادتك، بل انظر فيها، وابحث كل البحث؛ فستجد حظ إبليس، وأكثِر مِن الاستغفار، فعن الحسن -رحمه الله- قال: "إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداومًا في طاعة الله فبغاك وبغاك -أي طلبك مرة بعد مرة-، فرآك مداومًا ملَّك ورفضك، وإذا كنت مرة هكذا ومرة هكذا، طمع فيك".