الابتلاء والعودة إلى الله

  • 372

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد أصاب العالَم بأسره هلع وفزع لم نرَ مثله -على الأقل- في العقود الأخيرة؛ بسبب "فيروس كورونا" الذي انتشر بين الناس؛ مما جعل العالَم بأسره يهرع إلى اتخاذ كافة التدابير للسيطرة على هذا الوباء، ومِن المفارقات العجيبة أنهم لجأوا إلى تدابير واحترازات نادى بها الإسلام، وقررها نبيه -صلى الله عليه وسلم- قبل أربعة عشر قرنًا.

وهنا يجب على المسلمين أن ينظروا لهذا الوباء مِن منظورٍ شرعيٍ بالاهتمام بقراءة القرآن الكريم وتدبر آياته، وهي كثيرة ووفيرة، تحكي الواقع، وتضع الحلول والمخارج من تلك الأزمة الطاحنة، فقد قال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:42-43).

قال ابن جرير -رحمه الله-: "والبأساء: شدة الفقر والضيق في المعيشة. والضراء: بالأسقام والعلل العارضة في الأجسام" (انتهى).

وقال ابن عاشور -رحمه الله-: "يتضرعون: يتذللون؛ لأن الضراعة: التذلل والتخشع، وهو هنا كناية عن الاعتراف بالذنب، والمراد: أن الله قدَّم لهم عذابًا هينًا قبل العذاب الأكبر" (انتهى).

 فلما لم يفعلوا عقَّب -تعالى- بقوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ولولا هنا: حرف توبيخ؛ لدخولها على جملة ماضية واحدة (تفسير ابن عاشور).

 قال ابن كثير -رحمه الله-: "وتضرعوا: أي: فهلَّا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا، وتمسكوا لدينا" (تفسير ابن كثير).

وقال القرطبي -رحمه الله-: "وهذا عتاب على ترك الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب، ويجوز أن يكونوا تضرعوا تضرع مَن لم يُخلص" (انتهى).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فالله يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه، والشكوى إليه، ولا يحب التجلد عليه، وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذللـه له، وإظهار ضعفه وفاقته، وعجزه وقلة صبره، فاحذر كل الحذر من إظهار التجلد عليه، وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة، والذل والضعف، فرحمته أقرب إلى هذا القلب مِن اليد للفم" (انتهى).

ولذلك نادي أيوب -عليه السلام- ربه قائلًا: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء:83).

قال السعدى -رحمه الله-: "فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ" (انتهى).

وهنا تتجلى عظمة الرب -تبارك وتعالى-؛ إذ إن الخلق محتاجون إليه، وأنهم في عوز وعجز بدونه، ويحب -تعالى- أن يسمع أصواتهم قائلًا: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)؛ لأن الذي قدَّر البلاء هو أرحم بعباده من أنفسهم، فهو الذي رفع البلاء عن أيوب لما لجأ إليه فقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:44).

وهو الذي رفع البلاء عن يونس -عليه السلام- لما دعاه فقال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) (الأنبياء:88).

فاتباع الكتاب والسنة، والمحافظة على التوحيد، والتضرع والتذلل، والابتعاد عن مواطن  المعاصي، والاتعاظ بمَن سبق والحرص على ما يلين القلب، والابتعاد عن الأسباب التي توجب غضب الرب -تعالى-، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، ومعرفة أن البلاء الذي أصابكم لا يعد شيئًا في كم النعم التي أسبغها عليكم -تبارك وتعالى-؛ كل هذه الأسباب مدعاة لرفع البلاء من الله، مع اتخاذ كافة الوسائل المشروعة التي تُقرر مِن قِبَل القائمين على الدولة للحفاظ على البلاد والعباد، فالحفاظ على النفس من ضرورات الشريعة الخمس.

واعملوا أن الأمر بيد الله القائل: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء:42).

قال الطبري -رحمه الله-: "مَن يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرّفتم، مِن الرحمن؟" (انتهى).

فلماذا تعرضون عن ذكره، وهو وحده القادر على حفظكم ليلًا ونهارًا، فالله -تعالى- يبتليكم ليسمع أصواتكم؛ لأنه تعالى يحب صوت عبده المبتلى وهو يتضرع إليه؛ ولذلك ينبغي على العبد أن يقابل البلاء بالتضرع والدعاء، وليس بالإعراض والإباء، والسخرية والاستهزاء، بل بالثقة بموعود الله -تعالى- في رفع البلاء بشرط العودة والإنابة إليه، والله تعالى يقول: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (الإسراء:59).

فالآيات تنزل قبل إنزال العقوبة ليتخذ المؤمن الابتلاء بداية طريق جديد مع الله.

أسأل الله -تعالى- أن يحفظ البلاد والعباد، وأن يحفظ أمة الإسلام مِن كل سوء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.