عِبَر مِن نازلة كورونا (1) أيها الإنسان... اعرف قدرك

  • 411

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن العِبَر المستفادة من نازلة وباء كورونا، بل أكاد أقطع أنها أعظم العبر، حيث أجمع المسلمون تقريبًا على ذلك، فكل الناس استشعروا ضعفهم وفقرهم أمام قدرة الله -سبحانه وتعالى-؛ فآثار وباء كورونا في الأرض في كل نواحي الحياة شاهدة على عظيم ضعف الإنسان، وتقول له:

أيها الإنسان... اعرف قدرك.

أيها الإنسان... كفاك كبرًا وغرورًا.

أيها الانسان... كفاك غفلة عن قدرة الله، وانظر إلى قدرتك التي ظننت بها أنك مستغنى عن الله، (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى . إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (العلق:6-8).

- لقد ظن أهل الدنيا أنهم قادرون على كل شيء فيها، حتى ظنوا أن التكنولوجيا الحديثة قادرة على كل شيء! ورأينا صراع استعراض القدرات المادية والتكنولوجية بين الصين وأمريكا، ولسان حال الفريقين يقول: "ليس هناك قوة تستطيع أن توقفنا عن تقدمنا"، فكان أول مَن ضُرب بكورونا هي الصين! ثم لحقت بها أمريكا! وصدق الله العظيم إذ قال: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24).

- ثم توالت الضربات في الأرض لكل القوى المتغطرسة بنسبٍ هي أكبر وأعظم من غيرها من البلاد، لا إله إلا الله، وسبحان الله، وصدق الله: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ . كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) (الانفطار:6-9).

لقد اغتر الإنسان بإمهال الله له على ما يرتكب مِن الكفر والعصيان والحماقة في حق القادر القاهر الديان: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (النحل:61).

- إن الله -تعالى- أرسل على أهل الارض شيئًا حقيرًا في ظاهره، فكورونا لا يُرى بالعين المجردة، فانظروا ماذا فعل بأهل الأرض! فلو أرسل الله عليهم الزلازل والبراكين لربما قال بعضهم كما هو حالهم في كل مرة: "هذه أشياء فوق قدرتنا!"، وأما في هذه المرة فكان المرسل عليهم شيئًا صغيرًا حقيرًا في عيونهم، لكنه فعل بهم الأفاعيل، وأشعرهم بقدرهم الحقيقي.

- لقد عطَّل هذه المخلوق الصغير المسخَّر بقضاء العلي الكبير مظاهر حياة البشرية التي ظنت أنها تستطيع فعل كل شيء على حسب ما تريد! فجاء هذا المخلوق المسخَّر لله فأذل البشرية وأرغم أنفها، وقيَّد حريتها وملذاتها، بل ألزم الناس بيوتهم وجعلهم في شكٍّ فيما حولهم، وتوقفت حركة الحياة المعتادة تقريبًا، مع ما يترتب على ذلك من الخسائر على كل المستويات؛ كل ذلك -وأكثر مما لا نعلمه- بفعل هذا الجند من جند الله -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (المدثر:31).

فأين الصواريخ العابرة للقارات؟!

وأين القنابل النووية؟!

وأين الجيوش وأحدث الأسلحة؟!

- لقد عجز الإنسان بكل قدراته المادية أمام وباء كورونا، على الأقل مدة مِن الزمن إلى أن يشاء الله أن يرفع عنه ذلك إن هداه لمعرفة سبيل مواجهة الوباء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيز) (فاطر:15-17).

- إن هذا الحدث العظيم هو امتحان كبير للبشرية، ودرس كبير لعلهم يهتدون: قال الله -تعالى-: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (الإسراء:59)، وقال -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53).

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين مِن قبلنا، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.