رمضان... رحمة وفرحة

  • 281

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن المؤمن يتلهف ويشتاق لمواسم الخير والعبادة؛ لما يجد فيها مِن نعيم قلبه وفرحه وسروره، ورمضان شهر القرآن والقيام والصيام، وكل واحدة مِن هذه العبادات من أعظم أسباب حصول الفرح والرحمة للمؤمنين، وهو في الحقيقة فرح بالله وبفضله -سبحانه وبحمده-.

وهذا الفرح أثر مِن آثار رحمة الله ورأفته بعباده؛ تيسيرًا وتشجيعًا لهم على الإقبال على طاعته ليسعدوا ويهنؤوا منًّا منه وكرمًا، وهو الغني الرحيم -عز وجل-، كما قال -سبحانه وبحمده- عن القرآن الكريم مرغبًا عباده في الإقبال عليه؛ لما فيه من جميل الصفات وحصول الرحمات في الدنيا والآخرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللَّـهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:57-58)، ففضله ورحمته الإسلام وما اشتمل عليه من أعظم كتب الله وهو القرآن.

وفي قوله -سبحانه وتعالى-: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ): قصر -سبحانه وبحمده- الفرح؛ لأنه به تحصل سعادة الدنيا والآخرة، وطمأنينة القلب وانشراحه، ولم شعثه بذكره، وأعظمه كلامه -سبحانه وبحمده-؛ القرآن العظيم، كما قال -عز وجل-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:٢٨).

 وكذا فإن نعيمه وفرحه متصل، لا ينقطع كما تنقطع شهوات وملذات الدنيا الفانية التي لا يبقى منها إلا ما أريد به وجه الله والدار الآخرة؛ أما غير ذلك فهو إلى زوال، كما أن رمضان شهر القيام كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

فقيام الليل لذة وأنس وسرور، وانشراح صدور للعابدين، وهذا كان حال سيد العابدين -صلى الله عليه وسلم-، كما قال المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: قَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) (متفق عليه)، فقرة عينه -صلى الله عليه وسلم- وسعادته وراحته في الصلاة.

وقال أبو سليمان -رحمه الله-: "أهلُ الليل في ليلهم ألذُّ مِن أهل اللَّهو في لهوهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدُّنيا".

وقال ابنُ المنكدر: "ما بقي مِن لذَّات الدُّنيا إلا ثلاثٌ: قيامُ الليل، ولقاءُ الإخوان، والصلاةُ في جماعة".

وقال عليُّ بن بكار: "منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر".

وكذا رمضان شهر الصيام الذي هو أيضًا ركن من أركان الإسلام، وبه أيضًا تحصل الفرحة والرحمة في الدنيا والآخرة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (متفق عليه).

فهو يفرح في الدنيا بتوفيق ربه وإعانته له بإتمام صومه، وزوال جوعه وعطشه، وفرحه في الآخرة لما يرجوه من عظيم الأجر عند الله الذي لا يعلم قدره إلا الله أعظم.

وقال -تعالى- في الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) (متفق عليه)، فسبحان مَن جعل في قربه الأنس والفرح، رحمة ورأفة بعباده، وفي البُعد عنه وحشة وحزنًا، وهو الحكيم الغني الحميد -تبارك وتعالى-.

وصلى اللهم وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.