الفوز والخسران

  • 296

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالفوز والخسران كلمتان متضادتان في الكم والكيف؛ إحداهما تعبِّر عن شيءٍ، والأخرى تعبر عن عكسه، ولكل واحدة منهما استعمالها وميزانها، كما تقول: الليل والنهار، والشمس والقمر، والدنيا والآخرة، فكلها من المتضادات.

فالفوز: هو أن ينال العبد مراده ومبتغاه.

والخسران: ضد ذلك.

وهما كلمتان تتكرران مرات ومرات، وتتوالى كل كلمة منهما على أسماعنا في الأوساط الرياضية والتجارية والاجتماعية؛ فتسمع الفريق الفلاني فاز على الفريق الآخر، وفلان فاز وتحصل على عقد تجاري أو صفقة تجارية، وفلان كان يسعى ليتزوج بامرأة ففاز بها! وهكذا يسير الأمر في حياة الناس، ومعايير الخسارة ضد ذلك.

وهذه معايير في زمن تغيرت فيه المعايير حتى أصبح الخطأ صحيحًا والصحيح خطأ، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والحق باطلًا والباطل حقًّا، في السنوات الخداعات. نسأل الله السلامة.

لكن المؤمن يهتدي بهدى الله، ويسير بنور الله، فإن كان الفوز والخسران هذا معناه في الأمور الحياتية في أمور الدنيا؛ فما المعنى الحقيقي لهما في نظر الشرع لهما؟!

يا ترى... ما الميزان الحقيقي لهاتين الكلمتين؟

لقد ذكر الله -عز وجل- لفظة الفوز ومشتقاتها في كتابه نحوًا من واحد وثلاثين مرة، وجاءت كلمة الفائزين في أربعة مواضع من القرآن فلنعرضها ونتأملها.

الموضع الأول في سورة التوبة: قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (التوبة:20)، فهؤلاء قدَّموا النفس والنفيس، وبذلوا الغالي والرخيص لإعلاء كلمة الله في الأرض، فأخبر الله عن فوزهم في الدنيا والآخرة، وأنهم (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) فيا لها مِن سعادة ويا له من فوز!

كما استشعر ذلك المعنى حرام بن ملحان -رضي الله عنه- خال أنس بن مالك -رضي الله عنه-؛ ففي العام الرابع من الهجرة لما جاء عامر بن مالك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاه للإسلام فلم يسلم، ولم يبعد، وقال: "يا رسول الله، لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك؛ لرجوت أن يجيبوهم"، فقال: "إني أخاف عليهم أهل نجد"، فقال عامر: "أنا جار لهم"، فبعث معه سبعين رجلًا، وكانوا من خيار الصحابة، فساروا يحتطبون بالنهار يشترون به الطعام، ويتدارسون القرآن بالليل حتى نزلوا بئر معونة ثم بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم ينظر فيه وأمر رجلًا فطعنه بحربة مِن خلفه فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حينها حرام بن ملحان: (فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) (متفق عليه)، وقتلوا بقية السرية فدعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثين صباحًا إلى أن نزل قول الله: "بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَأَرْضَانَا"، وهي مما نسخ، وترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء.

هذه نفوس عالية زهدت في حطام الدنيا الفانية، واستعدت لما أمامها من الحياة الحقيقية السرمدية (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:64)، فعلموا أن الفوز الحقيقي في الحصول على ما أعده الله للمتقين، مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

الموضع الثاني في سورة السجدة: قال الله -تعالى-: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون:111)، صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على الأقدار المؤلمة التي مرت بهم، فكانت المكافأة أنهم هم الفائزون؛ ربح صهيب الرومي -رضي الله عنه- وفاز حينما ترك ماله لكفار قريش حتى يتركوه يهاجر في سبيل الله كما فازت سمية -رضي الله عنها- أم عمار، أول شهيدة في الإسلام؛ فهذا هو الفوز الحقيقي، فالفوز الحقيقي: أن تعيش صابرًا على ما أمرك الله به من طاعته، وعن معصيته (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).

الموضع الثالث في قول الله -تعالى-: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور:51-52)، فطاعة الله ورسوله فوز عظيم؛ أن يصطفيك الله ويجعلك من أهل طاعته، فهذا هو الفوز الحقيقي، وأن تكون مع الراكعين الساجدين الصائمين الصادقين التالين لكتابه، المسبحين المستغفرين؛ فهذا هو الفوز الحقيقي، كما قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، وهي جنة الإيمان بالله والعمل الصالح.

- الموضع الرابع في قوله -تعالى-: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (الحشر:20)، نعم لعمر الله! أي فوز بعد هذا الفوز؟!

حين يدخل العبد الجنة وينعم فيها، فلا يبأس أبدًا، ويحل عليه الرضوان فلا يسخط الله عليه أبدًا، وإن كان العبد بغمسة واحدة في الجنة ينسى الشقاء الذي كان يعيشه في الدنيا؛ فكيف بالإقامة السرمدية؟!

عرف الأولون ذلك فعملوا لها، وتركوا حطام الدنيا الفاني، وأقبلوا على الله بقوالبهم وقلوبهم، فسخروها لمرضاة الله، فعلموا بالصفقة الغالية التي فيها بيع وشراء بين الرب والعبد، فتاجروا مع الله وربحوا النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111)، فلا أحد أوفى مِن الله.

(قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس:26-27)، قالها مؤمن آل يس لما قدَّم روحه دفاعًا عن المرسلين، فقتله قومه، فعلم بالفوز الحقيقي.

فالفوز والخسران لهما موازين خاصة في القرآن والسنة؛ فالفوز أن يعمل العبد بطاعة الله على نورٍ مِن الله، يرجو ثواب الله، ويجتنب معصية الله على نور من الله، يخاف عقاب الله.

الفوز أن يسلك سبيل الهداية، ويجتنب سبل الغواية والفساد.

الفوز أن تتحقق له حلاوة الإيمان، وطعم الإيمان، ويحقق أركان الإيمان، فيؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وفي الآخرة الفوز بالجنة، بل الفردوس الأعلى، ويتمتع بلذة النظر إلى وجه الله الكريم.

أما الخسران: فليس بخسران المال، ولا الولد، ولا المنصب، ولا الدنيا بأسرها؛ كان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فنعوذ بالله أن تكون الخسارة في الدين.

ومِن الخسارة: أن يعبد الإنسان ربه على حرفٍ (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11).

ومن الخسران: أن يقع المسلم في العلماء والدعاة والصالحين، فيسبهم ويطعن فيهم، فحرمة العلماء معلومة، ولحومهم مسمومة، وسنة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة.

وأعظم الخسران: أن يرى الناس في نجاة يوم القيامة، ويلقى به في النار عياذًا بالله، فيخسر نفسه وأهله (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر:15)، وإذا علمت أن أهون الناس عذابًا يوم القيامة مَن يلبس خفين مِن نار يغلي منها دماغه؛ فكيف بأشدهم؟!

وإذا علمت أن غمسة واحدة في النار تنسي نعيم الدنيا بأسرها؛ فكيف بالإقامة السرمدية؟! لتعلم أن ذلك هو الخسران المبين.

فلنعمل بأسباب الفوز والربح الدنيوي والأخروي، ولنجتنب أسباب الخسارة الدنيوية والأخروية، فالعاقل اللبيب لا يبيع حظه الخالد بحطامٍ فاني.

نسأل الله أن يجعلنا من الذين يفوزون ويربحون، ويجنبنا الخسران في الدنيا والآخرة.