عِبَر من نازلة كورونا (6)

  • 305

نحن أولى بالصلاة منهم

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمِن العِبَر المستفادة من نازلة وباء كورونا، ما كان من كلام الرئيس الأمريكي "ترامب" وهو يتحدث عن ظروف المواجهة للوباء، والتدابير التي يجب الأخذ بها، فكان مما قال: "يجب علينا جميعًا أن نكثر من الصلاة، ولنجعل يوم الأحد يومًا وطنيًّا للصلاة".

- وهنا عبرة وهي: مَن أولى بذلك؟!

مَن أولى بأن يدعو الناس إلى الاكثار مِن الصلاة والدعاء والتضرع؟!

والجواب: نحن أولى بهذا منهم، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟)، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ)، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (رواه البخاري).

- نعم... نحن أولى بالصلاة والتضرع عند النوازل والمحن منهم: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف:106)، نحن أولى بالصلاة والتضرع عند النوازل والمحن منهم، فنحن أهل التوحيد، ونحن أهل القرآن الذي نزل فيه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:42-43).

- إن مما يحزن النفس والقلب: أن نسمع ذلك من رموز ورؤوس وقادة غير مسلمين، لم ينعموا بنعمة التوحيد، في الوقت الذي لم نسمع مثل هذه الدعوات في أكثر بلاد المسلمين، مع ما لها من آثارٍ عظيمة في تقبل الناس للأزمة من جهة، ودلالتهم على أعظم سبيل لتفريجها من جهة أخرى، مع عدم إهمال الأسباب المادية.

- فالصلاة في حياة المسلمين هي أعظم أسباب نزول رحمة الله، ورفع البلاء عنهم؛ لا سيما عند المحن والشدائد؛ فهذا رسولهم -صلى الله عليه وسلم- يفزع للصلاة وينادي لها عند كل شدة أو حادث جلل، قال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نُودِيَ: "إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ" (متفق عليه).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَحَمِدَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ-، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ)، ثُمَّ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ)، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ، أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: (أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

- فهكذا مكانة الصلاة في حياة المسلمين، هي مفزعهم وملاذهم عند المحن والشدائد: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة:45)، فنحن أولى بالإكثار منها من غيرنا، ونحن أولى بجعل الصلاة واجهة المسلمين العظمى في هذه الأيام العصيبة؛ فلنكثر مِن الصلاة والدعاء، ولنجعلها في كل الأوقات، عسى الله أن يرفع عنا البلاء والوباء.

والحمد لله رب العالمين.