إمساك اللسان من معاني الإيمان

  • 430

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا أن السلف قد اعتنوا بالوحي علمًا وتعلمًا، ودعوة وعملًا، حتى التفتت قلوبهم عن التعالي، ومجالسهم عن الجدال والمراء، فصار كلامهم نافعًا، وأحوالهم مباركة، يحصد الناس من طيب كلامهم، فأبقى الله ذكرهم، وتناقل الناس أحوالهم، فأورثتهم علوم الوحي خشية وذكرًا، وخمولاً وأنسًا؛ قيل لحَمدون القصار: "ما بالُ كلام السَّلف أنفعُ من كلامنا؟"، قال: "لأنهم تكلموا لعِزِّ الإسلام، ونجاةِ النفوس، ورضا الرحمنِ، ونحن نتكلمُ لِعِزِّ النَّفْس، وطلب الدنيا، وقُبولِ الخلق!".  

فمَن أراد أن يكون سلفيًّا حقًّا، فليكن متبعًا صدقًا، لا يتزي بثوب زورٍ يروج على الناس، فما أظهر الخلق وسرائرهم بين يدي ربهم، وما أفضحهم وأخجلهم يوم تبلى السرائر!

ومن جملة هذه العلوم التي رفع الله بها شأن السلف: عي اللسان؛ لا القلب والجوارح، فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وهذا العي منه ما هو ممدوح وهو المعني في الحديث، ومعناه: سكوت اللسان تحرزًا عن الوقوع في البهتان لا عي القلب ولا عي العمل، ولا عي اللسان لخللٍ.

وقال المباركفوري في تحفته على الترمذي: "العجز في الكلام، والمراد به في هذا المقام: هو السكوت عما فيه إثم مِن النثر والشعر، لا ما يكون للخلل في اللسان، قاله القاري، وقال في المجمع: العي التحير في الكلام وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال، والتحرز عن الوبال. قلتُ: وفسَّر الترمذي العي فيما بعد بقلة الكلام، يعني حذرًا عن الوقوع في الإثم، أو فيما لا يعني".

وقال الطيبي في شرح المشكاة: "ويمكن أن يقال: إنه إنما قوبل العي في الكلام مطلقًا بالبيان الذي هو التعمق في النطق والتفاصح، وإظهار التقدم فيه على الناس، مبالغة لذم البيان، وأن هذه النقيصة ليست بمضرة للإيمان، مضرة ذلك البيان".

وقال المنذري -رحمه الله-: "والعي: قلَّة الْكَلَام، وَالْبذَاء هُوَ الْفُحْش فِي الْكَلَام، وَالْبَيَان هُوَ كَثْرَة الْكَلَام مثل هَؤُلَاءِ الخطباء الَّذين يخطبون فيتوسعون فِي الْكَلَام ويتفصحون فِيهِ من مدح النَّاس فِيمَا لَا يُرْضِي الله" (الترغيب والترهيب).

فهذا حال لا بد أن يستقيم مع المؤمن؛ أن يتأمل قبل نطقه، وأن يعقل قبل صياحه، قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "المؤمن إذا أراد أن يتكلم، نظر فإن كان كلامه له تكلم، وإن كان عليه أمسك عنه، والفاجر إنما لسانه رِسلًا رسلًا"؛ فلو أن قوله مباحًا فقد أضاع به عملًا كاد أن يشغل محل القول، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "رحم الله امرأ أمسك فضل القول، وقدَّم فضل العمل" (عيون الأخبار 1/ 380).

وقال الأوزاعي -رحمه الله-: "إن المؤمن يقول قليلًا ويعمل كثيرًا، وإن المنافق يتكلم كثيرًا ويعمل قليلًا" (تهذيب السير 2/ 684).

وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "مَن لم يرَ أن كلامه مِن عمله، وأن خلقه من دينه؛ هلك وهو لا يشعر"، وقال: "أنذركم فضول الكلام، بحسب أحدكم ما بلغ حاجته" (موسوعة ابن أبي الدنيا).

فمَن أكثر العمل عن القول حسن نطقه، قال مطرف بن الشخير -رحمه الله-: "مَن صفا عمله صفا لسانه، ومن خلط خلط له"، فالنطق من غير نية متعذر، والكلام بصلاح نية ثقيل على القلب، حتى عدَّه كثير من السلف أن الورع فيه قليل، كما قال الفضيل وابن المبارك: "أشد الورع في اللسان".

وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "إني لأدع كثيرًا من الكلام مخافة المباهاة" (الزهد لأحمد، ص 505)، فما أحوجنا في محنة أمتنا أن نسكت ونوكل الأمر لأهله، فهذا علم ثقيل، ومَن صمت نجا.

وقال إبراهيم في رجل يطلب النحو: "هو إلى أن يتعلم الصمت أحوج"، فأقل نفع سكوتك ستر جهلك أو زين عملك، وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: "الصمت زين العالم، وستر الجاهل"، وقال رب العالمين -تبارك وتعالى-: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:18).

قال أبو الحسن القطان -رحمه الله-: "أصبتُ ببصري، وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة".

عقَّب الذهبي رحمه الله- فقال: "صدق والله؛ فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية، غالبًا يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة والفضيلة، واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد، ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم، واضطرابهم فيما علموا، فنسأل الله التوفيق والإخلاص" (تهذيب السير 3/1250).

والحمد لله رب العالمين.