رب اجعلني لك شكارًا

  • 235

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فها هي أيام الرحمات والعتق والغفران أقبلت ومَنَّ الله عليك أيها الكريم بأن جعلك مِن أهلها، وتلك نعمة تستوجب شكر الله -تعالى- عليها، فالملك العظيم -سبحانه وبحمده- قد امتن عليك بهذا الشهر المبارك الذي تتجلى فيه البشريات من أول ليلة فيه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وعنه أيضًا -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

وحذر -صلى الله عليه وسلم- مِن سوء استغلال هذا الشهر المبارك فينصرف وأنت لم يغفر لك؛ فأخبر ما يحل بصاحب هذا التقصير من الخيبة والخسران والذل، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ علَيهِ رمضانُ ثمَّ انسلخَ قبلَ أن يُغفَرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وهذا الترهيب يوقظ ولا شك أصحاب القلوب الحية لتدارك ما فاتها والإحسان فيما بقي.

كل هذا مِن أجلك أنت أيها العبد الفقير.

فربك الملك الغني الكريم يهيئ لك الأسباب ليجعلك له أقرب، ليجعلك أنشط، ليجعلك أقوى؛ ليرحمك ويغفر لك ويعفو عنك؛ فهل ستقبل هذه الهدية أم ستعرض عنها؟!

وهل يليق بمن أعطاه أحد الأمراء أو الملوك هدية ثمينة، وجعل رسوله يثني لك على هذه الهدية ويبين لك ما فيها مِن مميزات ومن فوائد، وكذا يحذرك من مغبة انتهاء وانصراف هذه الهدية العالية القدر دون أن تنتفع  بها أفضل انتفاع، ومن عظيم كرمه أخبرك: أن هذه الهدية تزداد جمالًا ونفعًا في آخرها ليجعلك تدرك ما قد فاتك في بادئ أمرك، وأرسل حارسًا ينظر ماذا أنت فاعل فيها، ثم أنت بالرغم من كل ذلك أتلفت هذه الهدية أو اعتبرتها كأنها غير موجودة أو أنك استفدت منها مرة وأعرضت عنها مرات أو كما يفعل البعض في أول الأمر أقبلت عليها ثم بعد ذلك ابتعدت عنها شيئًا فشيئًا؛ فماذا سيكون قدره عند هذا الملك إذا علم ماذا صنع مع هديته؟!

لا شك أنه سيغضب غضبًا شديدًا، وربما منعه بعد ذلك من عطاياه، ومن هداياه جزاءً لك على إعراضك؛ فكيف ولله المثل الأعلى إذا كان الذي أنعم بهذه الهدية العظيمة القدر هو الله جل جلاله الملك الحق القدير سبحانه وبحمده؟!

وكم أعطاك إياها مرات ومرات وأنت تعرض وهو يعطيك إياها العام تلو العام؛ عساك تتوب، عساك تعود وتتوب؛ ليغفر لك ويرحمك وهو الغني الرحيم سبحانه وبحمده.

فجدير بك أيها العبد المحب أن تتغير، وإن كنت محسنًا تزدد إحسانًا وشكرًا على هذه النعمة التي شكرها قبلك -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" (رواه البخاري).

فهو -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس في كل وقت، ولكن في رمضان يزداد جودًا -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لأسبابٍ بيَّنها ابن حجر -رحمه الله- في فتح الباري، فقال: "قوله: (فيدارسه القرآن) قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود. والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة. وأيضًا: فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود. والعلم عند الله -تعالى-" (انتهى).

وانظر إلى هديه في العشر الأواخر ليدرك فضيلة هذه الليلة المباركة التي قال عنها: (فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)، وعن عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ" (متفق عليه).

وعنها أيضًا قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ" (رواه مسلم).

فاستعن بالله أيها الكريم، وتب وارجع الى ربك وبث له فقرك وضعفك، وحاجتك لعونه ولرحمته، وربك قريب مجيب، وتذكر: ما هي إلا أيام سرعان ما تنقضي وتمر سريعًا كعادة الأيام الجميلة المباركة وكأني بالقائل يقول: "يا ليت شعري! مَن المقبول فنهنيه، ومَن المحروم فنعزيه!"، وإياك وآخر يقول: "رمضان سوق قام ثم انفض، ربح فيه مَن ربح، وخسر فيه مَن خسر".

وإياك والتفريط؛ فإنك لا تدري: هل تدرك رمضان مرة أخرى أم لا؟

فاللهم أعنا ولا تعن علينا، اللهم أعد علينا رمضان أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة.