آمال وآجال

  • 216

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن كل نفس ذائقة الموت؛ فالموت حق؛ لأن حكمة الله جلت قدرته، اقتضت أن الحياة الدنيا دار فناء، وأن كل مَن عليها هالك، ولا بقاء إلا لله -سبحانه- كما قال -عز وجل-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن:26-27)، وإنما الحياة الأبدية في دار الخلود بعد البعث والنشور: إما شقاوة أبدية لأهل الكفر بالله ومعاندة شرعه، الذي شرع لعباده، وإما سعادة سرمدية لأحباب الله، المؤتمرين بأمره، والمستجيبين لشرعه المنزل على رسله عليهم الصلاة والسلام.

ولو كان لأحدٍ خلود لبقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل الخلق، وأكرم الأنبياء والمرسلين على الله، ولما مات قبله الأنبياء والمرسلون، ولكنها سنة الله في خلقه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

والموت طريق كل سالكه، مهما طال بالإنسان العمر، لكن وقعه أليم عندما يكون المتوفى ذا مكانة اجتماعية يسعد بوجوده خلق من البشر، أو عالمًا طبقت شهرته الآفاق، أو محسنًا يرق قلبه للضعفاء وأصحاب الحاجات، يواسي فقيرهم ويسعى في مصالح ضعفائهم، ويبذل مِن جاهه وجهده وماله ما يدخل البسمة على شفاه أضناها الحزن، ويفرح قلوبًا عصرها الألم.

لعمرك ما الرزية فقد مـال                ولا فـرس يموت ولا بعيـر

ولكن الرزية فـقـد شخـص               يـموت بـمـوته خـلـق كثـير

كثيرًا ما نسمع مِن بعض الأصدقاء والزملاء أن فلانًا مات بلا مرض أو حادث، بل نام صحيح سليم معافى، توقظه زوجته أو والدته تجده ميتًا أو يموت في المسجد أو في محله أو في سيارته؛ أمر مستغرب، لكن كله بقدرٍ محكمٍ قدَّره رب العالمين، ومعظم هؤلاء في سن الشباب، لكن بالتأكيد هذا الأمر له حكمة عظيمة عند الله -عز وجل-.

لو تدبرنا في أمر أنفسنا وأمر هؤلاء لوجدنا فرقًا كبيرًا بين الآمال التي نفكر فيها، وكان يفكر فيها هؤلاء قبل الموت خاصة الشباب من طموحات كبيرة وآمال كثيرة في المؤهلات والجامعة والشهادة والتخرج، ثم الزواج والشقة والاولاد والوظيفة والمستقبل، وهو في عداد الموتى.

سبحان الله! أمر يحتاج وقفة محاسبة للنفس، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ) يَعْنِي الْمَوْتَ. (رواه الترمذي والنسائي، وقال الألباني: حسن صحيح).

جاء في هذا الحديث: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ) يَعْنِي الْمَوْتَ، يعني: اجعلوه على بالكم كثيرًا حتى تعدوا العدّة، والهادم: القاطع؛ لأنَّه يقطع اللَّذات في الدنيا، ولكنه يُدني من لذَّات الآخرة، ويُقرِّب من لذَّات الآخرة، وأولها ما يحصل له في قبره، ولروحه في الجنة، فهو يقطع لذَّات الدنيا، ولكنه في حقِّ المؤمن ينقله إلى لذَّات الآخرة ولذَّات الجنة وما يحصل فيها من الخير العظيم، فإنَّ روح المؤمن طائرٌ يعلق بشجر الجنة حتى يردَّه الله إلى جسده.

فالغفلة عن الموت وعمَّا بعد الموت من أسباب الطُّغيان والفساد، والاستمرار في الشَّر، أمَّا تذكر الموت وما بعده؛ فهو من أسباب التَّوبة والإقلاع والاستعداد للآخرة.

وجاء هذا المرض الخطير كورونا المستجد فأرعب العالم كله، وحيَّر البشرية، والجميع يريد إنقاذ نفسه وإنقاذ أسرته، بل إنقاذ دولته.

 وليعلم هؤلاء جميعًا أن الأقدار بيد الله -عز وجل-، لكن على المسلم الأخذ بالأسباب الشرعية والصحية، ثم يتوكل على مولاه، وإذا أصابه شيء فليقل: "إنا لله، وإنا إليه راجعون"؛ هنا تسليم لأمر الله واعتراف حقيقي بأننا ملك لله ليس بأيدينا شيء لأنفسنا؛ فضلًا عن غيرنا، فهذا هو الإسلام الدين الحق الذي يريح صاحبه ويجعله مطمئنًا في هذه الحياة متوكلًا على ربه وخالقه.

 فالحمد لله على نعمة الإسلام.

واعلم يرحمك الله أن الإيمان بالقضاء والقدر بلسم يداوي الجراح، وسلوى للمسلم، وكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

والحمد لله رب العالمين.