مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (29) آيات من القرآن في ذم القسوة (7)

  • 248

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:42-45).  

وفي هذه الآيات فوائد:

الأولى: أن دعوة الرسل في أمةٍ مِن الأمم يحدث معها ابتلاء من الله -سبحانه- إذا كذبوا وخالفوا، وعصوا الرسل، وهذا الابتلاء يكون بالفقر الشديد وضيق المعيشة، والأمراض والأسقام والعلل.

الثانية: أن هذا الأمر بقدرة الله وتدبيره وحكمته، فليست الحالة الاقتصادية أو الصحية متعلقة فقط بالأمور الظاهرة مِن قلة الأموال، أو وجود الميكروبات والفيروسات، بل هذه أسباب يقدرها الله بقدرته، كما أنه القادر على صرفها وإزالتها، وفيروس كورونا مِن أظهر الأدلة على ذلك، فهذه البشرية وجدت نفسها فجأة أمام فيروس كان بالتأكيد موجودًا ومخلوقًا قبل ذلك، ثم بقدرة الله تطور وهاجم ملايين البشر، وهم عاجزون تمامًا أمامه؛ بل إن كل إجراءات العزل لا تزيده إلا شدة، ولا توقفه ولا تحجِّم أثره، فهل عقل الناس ذلك وعرفوا السبب؟!

الثالثة: أن هذه الابتلاءات بالفقر والأمراض وضيق المعيشة هي بسبب مخالفة الرسل، وعلى قدر درجة المخالفة، فالتكذيب بالرسل والإصرار على الكفر والشرك أعظم المخالفة، وهي مستجلبة لأشد البلاء، ثم الذنوب والمعاصي دون ذلك، ومع ذلك فالناس يصرون على تكذيب الرسل ومخالفتهم ومعصيتهم، وينسبون الأمور دائمًا إلى الأسباب الطبيعية، كما قال -تعالى-: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) (الطور:44)، وقال عن قوم عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف:24)، وقال عن قوم فرعون: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:130-131).  

الرابعة: أن معنى التضرع المطلوب مِن الناس هو الإخلاص في العبادة والطاعة، كما قال ابن جرير -رحمه الله-: "فعلنا بهم ذلك ليتضرعوا إليَّ ويخلصوا لي العبادة، ويفردوا رغبتهم إليَّ دون غيري بالتذلل منهم لي بالطاعة، والاستكانة منهم إليَّ بالإنابة" (انتهى). 

وليس مجرد الدعاء مع الإصرار على الكفر والشرك وعبادة غير الله وتكذيب الرسل، هو الدعاء المطلوب، والعجب أنك ترى في زماننا مَن يكرر مأساة الأمم السابقة بالدعوة أن يتضرع كل أهل ملة إلى إلههم على ملتهم ودينهم الباطل، وأن يدخلوا معهم المسلمين في ذلك، ويتوهمون أن هذه المساواة بين الملل حقها وباطلها مما يرفع عن البشرية بلاءها!

فهلَّا أمرتموهم بتصديق الرسل وخاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والتصديق بالقرآن كلام الله وما جاء فيه مِن توحيد الله وتصحيح الإيمان به بدلًا مِن زيادة الكفر بالمساواة بين الملل باسم: "التعايش"، الذي لا ننازع فيه -لكن لا بد أن ينصح الناس بترك الكفر؛ لأنه سبب البلاء-؟!

ولا بد أن ينصحوا بأن تكذيب الله ورسوله وكتابه هو سبب شقائهم في الدنيا والآخرة؛ وإلا لم نكن ناصحين للبشرية ولا خير أمة أخرجت للناس، فهلَّا قلتم ما أمركم الله به في قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون)؟!

لكم دينكم وليَ دين على سبيل البراءة مِن دينهم؛ لا على سبيل الرضا بكل ملة والإقرار بصحة عبادة غير الله وتكذيب الرسل، ثم إنكم شملتم بدعوتكم مللًا تعتقد بأن البقرة هي الإله، وأن بوذا هو الرب الخالق، وغير ذلك، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

الخامسة: أن قسوة القلوب هي سبب امتناعهم عن التضرع المطلوب بالتوحيد والإخلاص، وطاعة الرسل؛ فأقسى الخلق هم الكفار وإن أظهروا رحمتهم بالبشرية، والبحث عن دوائها، وتخفيف آلامها؛ لأنهم يجلبون للبشر الذين يتبعونهم على الكفر والشرك، الألم الأبدي والشقاء السرمدي؛ وهم لقسوة قلوبهم حرَّفوا دين الأنبياء، وبدَّلوا فطرة التوحيد فاستحقوا أشد أنواع العقوبة! وهم ما يرون في الدنيا مِن بلاء ما هو إلا ذرة صغيرة بالنسبة إلى أمر الآخرة!

فمَن كان رحيمًا بالبشرية؛ فلينشر لهم دين الرحمة الذي هو الإسلام، وليس كما يزعم مَن يقول: "دين الحب!" الذي يستوي فيه كعبة طائف، ودين رهبان، وبيت أوثان، ومرتع غزلان، كما قال إمامهم ابن عربي!

وإنما دين الرحمة هو دين الإسلام (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107).

وهل يصح أن نكتم على البشر النصيحة الواجبة في وجوب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو أن نأمرهم أن يصلوا صلاتهم إلى قبلتهم الباطلة وعبادتهم الباطلة، ونحن نعلم أنهم يدعون المسيح أو بوذا أو غيرهما مِن الآلهة التي لا يصح أن تُصرف لها عبادة من العبادات؟!

إننا إذا أردنا الرحمة للبشرية مِن آلامها في الدنيا وفي الآخرة، فلنعلمهم أن الابتلاء بسبب مخالفة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، ونعوذ بالله من قسوة القلب.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.