كيف تُبنى الأمم؟ (3) أنموذج من حياة نبي الله يوسف -عليه السلام-

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الركيزة الثانية: الأخلاق الحميدة:

فعلى الأخلاق الحميدة مدار القصة مِن أولها حتى نهايتها، فكان يوسف -عليه السلام- صاحب خلق عظيم، فجادت نفسه بالإحسان، وما رآه أحد إلا وصفه بالإحسان، وكان مِن محاسن خلقه: أن واجَه البلاء بالصبر، والفتنة بصدق اللجوء والاعتصام بالله، والإساءة بالعفو والإحسان؛ فدعا الناس جميعًا إلى مكارم الأخلاق؛ دعا بسلوكه وفعله قبل لسانه.

وإليك بعض الأمثلة مِن هذه الأخلاق لتظهر لنا بجلاء أسبابًا عظيمة في النهضة والتنمية، ما أحوجنا إليها وما أيسرها علينا؛ إنما هي سلامة الصدر، وبشاشة الوجه، وترك الانتصار للنفس، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة.

أولًا: رد الإساءة بالعفو والإحسان:

ويظهر هذا جليًّا في أكثر مِن مشهدٍ بالقصة:

المشهد الأول: وهو مِن أجلِّ المشاهد وأكثرها عبرة؛ وذلك أنه حين جاءه الفتى الذي نجا ليعبِّر له رؤيا الملك، علم يوسف -عليه السلام- أن الرؤيا تتعلق بمصير الأمة بأسرها، فلم يتوانَ ولم يتأخر، بل سارع في تأويلها بلا تعقيب ولا مساومات، وهو المظلوم البريء الذي أُلقي في السجن بضع سنين بلا أدنى جريرة، بل كان صاحب الحق الأبلج، والعقل السديد؛ فلم يدفعه كل ذلك لأن ينتصر لنفسه أو حتى يبحث عن براءته في هذه اللحظة الفارقة من عمر الأمة، فالوضع لا يحتمل، فلنؤخر مصالحنا الشخصية الآن، ولنقدم مصلحة بلدنا، فلنترك حتى العتاب واللوم الآن ولنبني مجدنا حتى لو كانت مفاتيح النهضة بيدي أنا وحدي، ولولاي لم ينهضوا أفلا أساومهم؟! أفلا أشهد بعيني أولًا عقاب الظالمين؟ وأشفي صدري بهذه العقوبة بعد أن أستخرج براءتي؟!

لا لم يحدث شيء من هذا؛ لأنها الأخلاق السامية، والخصال السامقة؛ فأي خلق هذا الذي كان عليه الصديق؟!

إنها خصال المصطفين الأخيار الذين يؤخِّرون مصالحهم في سبيل نهضة بلدهم، حتى لو كانوا هم أصحاب الحقوق؛ فأين هذا الخُلُق من هذه الشرذمة التي تبحث عن مصالح متوهمة ومآرب شخصية؛ فضلًا عن انعدام حقهم فيها بداءة؛ فلا هم أصحاب حق، ولا الوقت يسمح لتقديم مصالح شخصية على حساب تأخر البلاد وقهر العباد.

فأقدَمَ عليه السلام يعبِّر الرؤيا بكل ما يملك من حب، الخير وإرادة نهضة بلده، وخروجها مِن أي كبوة تلم بها وهي سالمة غانمة؛ فوضّح لهم كيف يزرعون، وكيف يخزنون محصولهم، وبشَّرهم بالخير العميم الذي سيحل بهم بعد أن يجتازوا السنوات العجاف (وهو العام الذي يُغاث فيه الناس) وهو ما لم يكن أصلًا في رؤيا الملك، ولكنها النفس السخية المحبة للخير والنماء، المبغضة للشر والفساد،

فعل ذلك -عليه السلام- وهو يضع معلمًا رائعًا مِن معالم التغيير، وهو أن: "إصلاح دنيا الناس من أعظم أسباب صلاح دينهم"، فكان -عليه السلام- أهلًا للتمكين في الأرض حتى صار وزيرًا للمالية والخزانة، وأصبحت مصر في عهده مركزًا لخزائن الأرض بعد أن جاءت سنوات الجدب والقحط، وأصابت البلاد والعباد، وجاء الجميع ليحمل الميرة من مصر التي أصبحت منارًا لكل قاصدٍ، وازدهرت فيها آنذاك: الزراعة، والصناعة، والتجارة، فقوله -تعالى-: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف:49).

روى ابن جريج عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "يعصرون العنب خمرًا، والسمسم دهنًا، والزيتون زيّتا" (ذكره الطبري والقرطبي في تفسيرهما).