الفساد (53) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (5-6) نظرة على التعليم الفني

  • 162

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أدَّت الأبحاث المقارنة التي تتعلق بالتعليم التكنولوجي والفني في الدول الكبرى المتقدمة: (أمريكا، وألمانيا، واليابان، وإنجلترا) إلى قناعةٍ بأن الوضع الآمن في ضبط العلاقة بين التعليم العادي (العام) والتعليم التكنولوجي والفني، هو أن يلتحق نحو ثلثي أعداد الطلاب بعد الانتهاء من المرحلة الإعدادية بالتعليم التكنولوجي أو الفني، بينما يلتحق الثلث الأخير بالتعليم العادي (العام أو التقليدي)، بل هناك دول بالفعل استطاعت أن تقلل هذا الثلث الأخير ليصبح أقل من 10 %، وكان ذلك سببًا مباشرًا في تقدمها (راجع في ذلك: "التعليم ومستقبل مصر: رؤية واقعية وخطة عملية" د. وجدي زيد - ط. مكتبة الأسرة 2015 م الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص: 34 - 36 بتصرف).

و(لابد أن يستقر في وعي المصريين: أن هدف التعليم لم يعد إعداد الطالب أو الطالبة من أجل الحياة فقط كما كان في العشرين سنة الأخيرة، فلقد شهدت هذه السنوات تغييرًا جوهريًّا فقد فيها مفهوم (التعلم من أجل الحياة) مكانته، وأصبح مفهوم (التعلم من أجل العمل) هو القاعدة التي تتأسس عليها ليس فقط توجهات وخطط وسياسات النظام التعليمي، بل أيضًا كل المناهج الدراسية في أي نظام تعليمي، يرتبط عضويًّا وبشكلٍ كاملٍ باقتصاد الدولة.

ويتميز مفهوم (التعلم من أجل العمل) بأن يهدف إلى إكساب المتعلم مهارات العمل دون استبعاد لمهارات التعلم، التي تشمل القراءة والكتابة واللغة، والحساب، والدراسات الإنسانية والاجتماعية، فالهدف من التعلم من أجل العمل هو إعداد المواطنين ليكونوا أفرادًا واعين واثقين، ومسئولين مساهمين في تطوير أنفسهم ومجتمعاتهم، من خلال اكتشاف وتطوير قدراتهم ومهاراتهم في مراحل التعليم الأولية، وينعكس هذا الهدف مباشرة ليصبح المتعلمون بذلك مؤهلين لأعمال ووظائف بعينها).

(ويذكر التاريخ: أن كل الدول المتقدمة قد عانت من قبل ولسنوات طويلة وبدرجات متفاوتة من جراء بناء أنظمتهم التعليمية وفق مفهوم التعلم من أجل الحياة، الذي أدَّى إلى انفصال سوق العمل عما يدرسه المتعلم في المدرسة والجامعة والمعهد، لكن هذه الدول أدركت بعد دراسات وأبحاث عملية ضرورة الربط العضوي بين المناهج الدراسية وسوق العمل، وضرورة إكساب المتعلم مهارة التوظيف أثناء مراحل التعليم أو إيجاد عمل، وهي مهارة تستلزم استخدام خبرات المتعلم ودرجته العلمية؛ إضافة إلى مهارات الحاسب الآلي والإنترنت، والقدرة على التواصل والمساهمة بذكاء وبشكل متكامل مبدع مع الآخرين في محيط العمل.

ويدهش المرء عندما يقرأ في التقارير الخاصة التي أعدها مجلس التعليم البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية عن الانفصال الكامل بين ما يحصله المتعلم ومهارات التوظيف التي يتطلبها العمل، وكيف أن المدارس والجامعات البريطانية ليست سوى (مؤسسات زائفة)؛ لأنها لا تقدم المطلوب حقيقة منها، وتنتهي هذه التقارير إلى أن السبب الأصيل لفقدان إنجلترا مكانتها المتقدمة التي احتلتها طوال أكثر من مائة عام وحتى قيام الحرب العالمية الثانية هو أن إنجلترا -مهد الصناعة الحديثة- كانت آخر من بنى نظامها التعليمي وربطته بشكل كامل بالتصنيع ذاته والاقتصاد، ولكي تعود إنجلترا إلى مكانتها بدأت وبسرعة إعادة بناء نظامها التعليمي لتكون الجوانب التكنولوجية في التعليم هي بيت القصيد في عملية التغيير كلها) (المصدر السابق، ص 57 - 60).

سلبيات في التعليم الفني:

في الميدان التعليمي ومدارسه الفنية نجد بالفعل صروحًا من المنشآت المدرسية ذلت القدرات البنائية العالية في غالب الأحيان، أما ورشها التدريبية القائمة بالفعل فتكاد تكون خاوية تقريبًا من الآلات التعليمية في ظل ركود إداري.

وعلى الجانب الآخر: فإننا نجد منتجًا هزيلًا من خريجي التعليم الفني لهذه المدارس، وقد تنحى بالفعل من سوق العمل كعمالة فنية مدربة، بيد أن خريجي المدارس الفنية من المفترض أنهم القوة الضاربة لتنمية الاقتصاد؛ تلك القوة التي أهملناها ضمن ما أهملنا، فأصبحت عبئًا اقتصاديًّا يواجِه بطالة في الداخل وتجاهلًا في الخارج.

وذلك لأسبابٍ عديدةٍ، منها:

1- العشوائية وغياب الرؤية في تضفير قوة خريجي المدارس الفنية الذي يشكِّل نبعًا من منابع الاقتصاد.

2- الفجوة الظاهرة بين ما يمكن أن يسمى: (النظرية والتطبيق) بين أطر فنية معتمدة على أرض الواقع مثل مشروع التعليم المزدوج، والمعروف باتفاقية: (مبارك - كول)، وذلك نتيجة لسوء الإدارة وبدائيتها وضيق الأفق المهني لبعض التنفيذيين في التعامل بمرونة مع المستجدات.

3- غياب الشراكة الممنهجة والمنظمة بين المصانع ومدارس الوزارة، وعدم مراجعة وتقويم وتنمية تلك الشراكة.

4- مركزة الإدارة: فعلى سبيل المثال: تتكون مديرية القاهرة من عدد 32 منطقة تعليمية منتشرة في جميع أنحاء القاهرة، يبلغ عدد المدارس الفنية بها نحو 150 مدرسة، وعلى الرغم من ذلك يتم تعيين المديرين والوكلاء في المدارس عن طريق مدير التعليم الفني في المديرية دون اشتراك مدير عموم المناطق التعليمية في الاثنين والثلاثين منطقة، وهذه القواعد الإدارية تتم في جميع مديريات الجمهورية.

وفي غالب الأحيان: يكون الاختيار غير قائم على أسس موضوعية، بل في إطار من التقليدية بعد الإلمام الكافي بقدرات المتقدمين؛ مما له الأثر السلبي على أداء المدارس في النواحي الفتية والإدارية.

5- عدم الارتباط الكافي باتجاهات واحتياجات سوق العمل سواء الداخلي أو الخارجي؛ مما يفقد الخريج فرصة اللحاق به.

6- الروتينية في الأداء وعدم الحماس من المعلمين نتيجة لمعوقات الإدارة والتدريب، فأصبح التعليم الفني أقرب للتعليم النظري منه إلى العملي، فضلًا عن أطر مالية بدائية وطويلة الإجراءات.

والعلاج ينبغي أن يتضمن:

1- أن يعمل التدريب الفني في إطار رسالة قاعدتها الأساسية أنه لا تعليم فني بدون تدريب فني يرتبط بسوق العمل في الداخل والخارج.

2- تقييم وتطوير مشروع التعليم المزدوج، مثل الإطار الذي تضمه اتفاقية: (مبارك - كول)، ونشر العمل بها.

3- فتح مدارس المصانع كل -أو بعض- أيام الأسبوع من خلال آلية محكمة بين التربية والتعليم والمصانع، يشترك فيها متخصصون مِن المصانع مع المديريات التعليمية، وذلك بهدف خدمة الطالب ومتابعة أدائه.

4- تقييم اتفاقية (التفت) مع الاتحاد الأوروبي، وتطويع استخدام المنحة في اتجاه صالح المدارس الفنية واحتياجاتها.

5- مراجعة وتقييم مشروع رأس المال والقضاء على المعوقات المالية التي تسمح بفساد التطبيق؛ مما يؤدي إلى عدم الاستفادة الفعلية على الرغم من أنه يفترض أن تكون مشروعًا إنتاجيًّا تسويقيًّا للمنتجات الخاصة بالمدارس.

6- بالدرجة الأولى تعتبر مصر بلدًا سياحيًّا، حيث السياحة بها عمادًا أساسيًّا من أعمدة الاقتصاد يجب أن نتجه إليه دون تأخير بقرارات مدروسة، وعليه يجب أن يدخل التعليم الفني في صناعة وترويج السياحة الداخلية والخارجية، بأن تخصص مدارس وأقسام لصناعة السياحة والتدريب على صنع المقلدات والنماذج السياحية والتسويق السياحي، وذلك مِن خلال تعاون بين وزارة التربية والتعليم ووزارة السياحة والآثار.

7- القضاء على مركزة الإدارة، وإتاحة الفرصة لمديري المناطق التعليمية للإشراف المباشر وتقييم المدارس الفنية، ووضع المدير العام أمام مسئولياته ومتابعة أدائه.

8- إنشاء مجالس شراكة للتعليم الفني يضم رجال أعمال وطنيين ومديري مصانع، ورجال التعليم وأساتذة جامعات؛ وذلك لدراسة وتطوير وهيكلة التعليم الفني، وأنشطة التدريب الفني وتحقيق أهدافه.

9- بالنسبة لشهادة التخرج فيواجه مسمى دبلوم التعليم الفني صورة ذهنية متدنية لدى الكثيرين في المجتمع، ويمكن إعادة النظر في التسمية لتكون (الإجازة الفنية في تخصص... )، وذلك إشارة وارتفاقًا مع مرحلة جديدة من تطوير التعليم الفني (التعليم والمجتمع، ص 26 - 29 بتصرفٍ).

نظرة على التعليم الجامعي:

جامعاتنا في الوقت الحاضر توفر أعدادًا كبيرة من الخريجين غير المؤهلين للعمل بالقدر الكافي، بل لا يصلحون لأي عمل بمجرد تخرجهم، وهم أيضًا لا يصلحوا أن يكونوا علماء بهذا القدر المتواضع من الدراسة، ورغم اعتماد أعداد كبيرة من بحوث درجات الماجستير والدكتوراة، لكن لا تضيف في كثيرٍ منها أي شيء للعلم أو العمل! (انظر: "ثورة يناير وكيف يمكن أن تصبح مصر دولة عظمى"، مهندس أحمد خليل - القاهرة - 2012 م، ص 98).

يحتاج التعليم في مصر إلى ثورة حقيقية في جميع مراحله، وهناك أهداف لا بد من تحقيقها، منها:

1- تنمية القدرة على التفكير الإبداعي، وليس الحفظ والصم.

2- العمل الجماعي.

3- تعود الطالب على البحث في الكتب والمراجع وتكوين وجهة نظر (انظر: "هكذا يجب أن تحكم مصر" د. ياسر شحاتة، ط. دار الثقافة الجديدة - القاهرة - ط. أولى 2016م، ص 41)، كما (يجب تغيير النظام الجامعي تغييرًا جذريًّا، وتوفير أكبر قدرٍ مِن الحرية في العملية التعليمية) (المصدر السابق، ص 44 بتصرفٍ).

إن التعليم (هو أهم أداة من أدوات النهوض بالمجتمع، وعلى الرغم من ازدياد أعداد الدارسين والخريجين في مصر بشكلٍ دائمٍ؛ فإنك لا تجد هذا متمثلًا في أية نهضة بمجتمعنا، والثابت هو وجود فشل شامل ومتكامل في العملية التعليمية بمصر، ولا أنكر وجود نسبة متواضعة من الخريجين ذوي المستويات العالمية، ولكنها كلها حالات نجاح فردي تخص أصحابها وذويهم، ولا تمت بأية صلة للأداء التعليمي في مصر، ومن غير المنطقي أن تكون إمكانياتك لأداء عمل ما بنسبة 40 % مثلًا، وتكون نتيجة الأداء هي 1%! أنت هنا لست أمام مشكلة إمكانيات، ولكنك أمام مشكلة أداء.

يوجد في مصر العديد من المؤسسات البحثية؛ ناهيك عن الدراسات العليا، والعدد الكبير من الدرجات العلمية المتميزة التي يحصل عليها عددٌ لا بأس به من المصريين، ولكن كل هذه المؤسسات، وكل هؤلاء العلماء لا ينتجون شيئًا يذكر، ولا يقدِّمون أي حلول لقليلٍ مِن الكثير من المشاكل الموجودة في مصر!).

بالطبع هناك حالات فردية استثنائية ذاتية، لكننا نتحدث عن العملية التعليمية، وفشلها في إخراج أي منتج تعليمي جيد على جميع المستويات؛ مما يؤكد (على أننا أمام مشكلة أداء سيئ، وغياب الرؤية والتخطيط فضلًا عن غياب ثقافة الأولويات في توجيه الإمكانيات المتاحة.) ("كيف يمكن أن تصبح مصر دولة عظمى" ص 87 - 88).

و(من الأخطاء الشائعة عند وزارة التربية والتعليم أو التعليم العالي: أن تسلم بفشل العملية التعليمية وتبدأ في محاولة توفير عددٍ قليلٍ مِن المتفوقين عن طريق إنشاء مدارس أو جامعات لهم، وتضحي بباقي المجتمع مقابل النهوض بنسبة ضئيلة منهم، هذا لو نجحت الفكرة)، (في ظل هذه الثقافة سوف لا تجد في موازنة التعليم ما يدل على وجود أية أولويات، أو التركيز على أية أهداف أثناء توجيه الإمكانيات المتاحة لإدارة العملية التعليمية، ناهيك عن عدم توفير أية مناخ قابل لفرز الطلبة وتحديد مستوياتهم ومدى تقبلهم للتعليم ومناسبة توجهاتهم لما يدرسونه وما مدى صلاحيتهم لعمل) (المصدر السابق، ص 86 - 87).

بعد انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية في كل مراحل التعليم المختلفة بوزارة التربية والتعليم، انتقلت الظاهرة شيئًا فشيئًا إلى الجامعات والمعاهد العليا بوزارة التعليم العالي! (رويدًا رويدًا، سنة بعد أخرى كبرت كرة الثلج، وزحف سرطان الدروس الخصوصية من المدارس إلى الجامعات، ولم يعد الطلاب الذين اعتادوا على الانخراط في دوامة الدروس الخصوصية طوال مراحل تعليمهم الأساسي والثانوي قادرين على الاستغناء عنها حتى في الجامعة، بعد ما صار بإمكانهم أن يطلقوا العنان لعقولهم ويمنحوا مواهبهم مزيدًا من التألق؛ هؤلاء الطلاب أسرى عادات تعليمية فاشلة بكل المقاييس، والأهم من ذلك: أنها جريمة في حق الأجيال الجديدة؛ لأنها تحرم من الخيال، ومن الحرية بمعناها الحقيقي بعيدًا عن التلقين والإجابات الجاهزة والنتائج الجاهزة... وفي المقابل: نمت فئة جديدة داخل الجامعات لتلبية احتياجات الطلاب) (جريدة الوطن: الاثنين 10 ديسمبر 2018 م -السنة السابعة- العدد 2416).

و(احتلت كورسات السناتر) المركز الأول في قائمة البدائل التي يلجأ طلاب الجامعات لتحصيل أكبر قدرٍ مِن المواد العلمية، والحصول على أعلى الدرجات؛ وذلك على الرغم من التكلفة المادية المرتفع، وبينما تحاول الدولة مواجهة (بيزنس) السناتر ومطاردة إمبراطوريته، يرى الطلاب أنها توفِّر لهم ما فشلت فيه الجامعات من دراسة جدية، وتحصيل علمي أفضل) (المصدر السابق).

وقد (أكَّد عدد كبير من أساتذة الجامعات أن سناتر الدروس الخصوصية والكيانات الوهمية التي تحمل صفة أماكن تعليمية كبيرة آفة تهدد مستقبل واستقرار العملية التعليمية بالجامعات، مطالبين بوجود حلول جذرية لها، سواء بالغلق النهائي ومنعها أو تقنينها، واقترحوا تطبيق نظام (الساعات المعتمدة)، خاصة في الكليات ذات الكثافة العالية مثل التجارة والآداب والحقوق لمحاربتها (المصدر السابق).

وقد حدد قانون تنظيم الجامعات العديد من العقوبات ضد الأستاذ الجامعي الذي تثبت إدانته سواء كان من خلال التدريس أو المشاركة أو إنشاء أي كيان وهمي أو مركز للدروس الخصوصية، تنتهي بالفصل من الجامعة.

نظرة على البحث العلمي:

(من المعلوم أنه من بين مهمات الجامعات يمثِّل البحث العالمي الدائرة الرئيسية الثانية بعد دائرة التعليم، وتتلوها دائرة خدمة المجتمع)، (وفي بعض الدول المتقدمة تأتي وظيفة البحث العلمي في الدرجة الأولى وتسمى جامعات بحثية، إلى الدرجة التي تصبح فيها الدراسات العليا وإعداد الباحثين وإجراء البحوث تمثل 80 % من نشاطها وميزانيتها).

ونلحظ النمو المتزايد في جامعاتنا لحشود طلاب الدراسات العليا لدرجتي: الماجستير والدكتوراة، ولكن للأسف دون التهيئة اللازمة من مقومات إجراء البحوث، ومنذ سنواتٍ قليلةٍ بأنا نرى أن بعض الجامعات الخاصة تعلن تركيزها على الإعداد والقيام والبحوث، ومنها: جامعة النيل الأهلية، والجامعة اليابانية.

سلبيات على الطريق:

1- طغيان منح الغالبية العظمى من رسائل الماجستير والدكتوراة لدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وتبادلها مع الجامعات الأخرى انطلاقًا مِن مجاملات للطالب أو للمشرفين على رسالته من الزملاء والأساتذة.

والواقع العالمي في تنافسه الحاد يملي علينا أنه لا توسط ولا مجاملة في مجال تقدير المستويات العلمية البحثية، الذي ينتظر منه أن يقدِّم الجديد والمتجدد والمبدع، تأثيرًا في سياستنا ومعارفنا بمشكلات تطوير المنظومة التعليمية العربية.

ومن المفترض في البحث العلمي وفي القائمين على أنشطته أن تحكمهم أخلاقيات البحث ومهنته بقواعدها وممارستها، ومِن ثَمَّ تغدو المسألة الأخلاقية من بين أهم شروط العمل في هذا المجال.

2- ممارسة أنشطة البحث العلمي لا بد أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمطلب حرية التفكير والتعبير، بل إن جوهرها يقوم على هذا الأساس؛ وإلا انعدمت قيمته أصلًا.

3- ضرورة وجود مدارس ونظريات متعددة للبحث العلمي ينقد بعضها بعضًا كما تتكامل فيما بينها، فالبحث العلمي مغامرة لمعرفة جديدة توضح أخطاء في الماضي أو تقدم أسلوبًا جديدًا للعمل، وقد يتعرض للخطأ، فلا أحد مستثنى من الخطأ في نشاطه العلمي والمجتمعي، والمهم هو التعلم من الخطأ وتصحيحه أو تجنبه.

4- (هناك خلل واضح لدينا بين الطلب والعرض على نتائج البحوث الجادة، فكثيرًا ما يلجأ التنفيذيون إلى الاعتماد على خبراتهم أو على ضغوط سياسية لاتخاذ قرارات أو حل مشكلات دون طلب على البحوث التي قد يستلزمها هداية خيارات القرار، أي: أن القرار في هذه الحالة سلطوي فوقي لا علمي؛ لذلك لجأ الباحثون من ناحيتهم إلى الاعتماد على خبراتهم، أو تصوراتهم في اختراع مشكلات من عندياتهم لإجراء بحوثهم، وتتعرض بحوث الجامعات لدينا للعديد من الضغوط وبخاصة في مجالات العلوم الاجتماعية.

ومن هذا النوع: كثير من بحوث درجات الماجستير والدكتوراة التي لا تتشابك مع الواقع، أو لا علاقة لها بمجرياته ومشكلاته ومطالبه الحقيقية، وإنما هي افتراضات من تصور الباحث.

5- إن التغيرات الكبرى التي حدثت في الفكر التربوي كجزءٍ مِن الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية التي تضج متغيرات العولمة بتوجهاتها الحداثية وما بعد الحداثية تتطلب المراجعة لكثير من قضايا المنظومة التعليمية، سواء في وظيفة التعليم وأهدافه، أو تعليم الجميع من أطفال المجتمع وشبابه وتوفير تعليم متميز للجميع، وتمتد إلى دور المعلم والمدرسة، وفي النقلة من التعليم والتدريس إلى التركيز على التعلم ومصادره المتعددة.

ويمتد هذا إلى تطوير المناهج والتكامل فيما بينها، إلى قضايا تعليم اللغات الأجنبية مع الاهتمام باللغة العربية (القومية)؛ كل هذا وغيره مما يتطلبه تصحيح وضع التعليم ومخرجاته في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل يفرض الاهتمام بعمليات البحوث والاهتداء بنتائجها في مختلف المواقع الإستراتيجية للتطوير.

وكل هذه المسئوليات تقتضي إعدادًا لخرائط بحثية يشارك فيها كل مِن طرفي الطلب والعرض، إلى جانب قيادات العمل الإنمائي المختلفة، واعتبار المشروعات البحثية ذات أولوية رئيسية في التطوير التربوي، وإعطاؤه ما يستحق من تمويل وجزاء قومي وتقدير معنوي إعلامي للعاملين في مجاله تقديرًا لا يقل عن تقدير العاملين في الفنون ولاعبي كرة القدم.

6- لعل المطلع على جداول ومحاضر جلسات مجلس الجامعة أو الكلية أو القسم مثلًا سوف يجدها حاشدة بالقضايا الإدارية والتنظيمية (امتحانات قبول - توزيع الطلاب - الإعارات - ... )، وتكاد تخلو من مناقشة للمسائل العلمية إلا حين تتحول إلى مشكلات إدارية، ولا شك أن طغيان الهموم الإدارية ومع أهميتها أحيانًا قد يصيب مطالب التعليم الجامعي بالرتابة والجمود.

7- ينبغي إعادة النظر في بنية الإدارة وموقع اتخاذ القرار بما يحد مِن المركزية الحاكمة والمقيدة للكليات والأقسام، وأن تتسع مواقع اتخاذ القرار وحرية التصرف علميًّا وماليًا إلى مستويات الوحدات اللامركزية ومؤسسات التنفيذ، وفي ضوء متطلبات الإنجاز السريع والكفء تأخذ الإدارة على مختلف المستويات بالتقنيات الحديثة كاستعمال الكمبيوتر في إدارة وتسيير مرافقها وعملياتها الإدارية، ويتخلل ذلك كله مبدأ الإدارة الاقتصادية السديدة والرشيدة في توظيف مختلف الموارد والإمكانات.

8- يجب عدم نسيان دور مراكز البحوث الجامعية في دعم عمليات الإنتاج والخدمات وفي التنمية الشاملة وفي استثارة الوعي المجتمعي بأهمية العلوم والتكنولوجيا في السلوك والعلاقات، وفي القرار والحكم على العمل الوطني بصورة عامة في وحدات الدراسات الاجتماعية، وفي مراكز خدمة المجتمع والدراسات المستقبلي لن تكون للبحوث الجامعية أي قيمة ما لم تقتحم أحوال المؤسسات الإنتاجية والخدمية متعاونة معها في إجراء البحوث المرتبطة بمشكلاتها وتطور إنتاجيتها في مشروعات متفق عليها، كما تتطلب رسالة بحوث الجامعة عرض وتقديم نتائج بحوثها إلى تلك المؤسسات، وإلى ما يمكن الاستفادة منه في تحسين وفاعلية تلك المؤسسات في وجود التنمية الوطنية.

9- مما يؤسف له أن بحوث طلاب الماجستير والدكتوراة في كلية التربية، والتي تصدر كل عام بالعشرات، القليل منها ذو قيمة علمية أكاديمية، وأنه ليس لمعظمها قيمة تطبيقية عملية، وتتعرض لما تتعرض له كثير من الأبحاث الجامعية في مختلف التخصصات من انقطاع الصلة بينها وبين وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

10- تمثِّل لجان ترقية المدرسين والأساتذة المساعدين نمطًا متحجرًا من الشروط والمعايير في مستويات الترقية، ولا أدل على ذلك مما يجده المرء في استمارة التقييم من أسس لتقييم البحوث، ويعجب المرء حين لا يجد من بين بحوث الترقية مجالًا لاعتبار الترجمة إلى العربية يمثِّل إنتاجًا علميًّا (راجع: "المرشد الأمين" ص 125-132 بتصرفٍ).