كن مؤثِّرًا لا متأثرًا

  • 146

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة وهى تعج بالكبائر وأنواع المعاصي، والعادات السيئة، وهو واحد من قومه كأي شاب من شباب قريش لم يعرف أنه نبي مرسل، ولكن أخلاقه وتصرفاته سليمه سديدة؛ رعى الغنم وتاجر، وفي يوم أراد السمر في مكة، ولكن أتاه النعاس فلم يذهب ولم يتأثر بمَن حوله مِن عادات أو صفات، بل أثَّر فيهم، وأحبَّه كل مَن عرفه وتعامل معه، فكان يلقب بالصادق الأمين وذلك قبل أن يُبعث، ثم بُعث نبيًّا ورسولًا للناس كافة؛ فكذبه قومه ووصفوه بالكذاب والساحر والكاهن، فمضى في طريقه يدعو الناس أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ولم يتأثر بالكلام السيئ، ولا الاتهامات الظالمة حتى نصره الله.

فهو نبي مرسل -صلى الله عليه وسلم- نتأسى به ونقتدى به لكي ننشر دين الله ونعلمه للعالمين؛ لأن ديننا دين عالمي، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107).

يأتي من بعد ذلك الصحابة الأفاضل الأكارم يؤثرون فيمن حولهم ولا يتأثرون بمن حولهم؛ فهذا مصعب بن عمير -رضي الله عنه- أسلم سرًّا في دار الأرقم؛ خوفاً من قومه وأمه خناس بنت مالك بن المضرب العامرية، التي كانت تتمتع بقوة شخصية فذّة فخشيها مصعب، وقرّر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرًا، ولما علمت والدته بذلك حبسته أملاً في رده عن دينه، لكنّها واجهت إصرارًا كبيرًا منه على الإيمان، فقرّرت إخراجه من بيتها وحرمانه من المال.

وقبل الإسلام، اشتهر مصعب بن عمير بجماله، وتأنّقه، وارتدائه أفضل الملابس وأغلاها، وتعطُّره بأجمل العطور، كما عُرِف بأنه أعطر أهل مكة، فكان من زينة شباب قريش.

وبعد إسلامه هاجر إلى المدينة المنورة إثر البيعة الأولى؛ إذ أرسله الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليها ليُعلّم سكانها القرآن الكريم وتعاليم الدين الإسلامي، ثم عاد بعد ذلك إلى مكة المكرمة مع الأنصار، وأسلم على يديه: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير وأصبحا من كبار الصحابة، وهما في ميزان حسناته يوم القيامة، وما من بيت في يثرب إلا تأثر بكلامه، بل أكثر من سبعين بيت دخلوا في الاسلام، وهذا بفضل الله، وحفظه لكتاب الله ودعوته به.

- أيضًا نتحدث عن نموذج آخر من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه-، فقد روى ابن إسحاق عن عثمان بن الحويرث عن صالح بن كيسان: أن الطفيل بن عمرو قال: كنت رجلًا شاعرًا سيدًا في قومي، فقدمت مكة فمشيت إلى رجالات قريش، فقالوا: إنك امرؤ شاعر سيد، وإنا قد خشينا أن يلقاك هذا الرجل فيصيبك ببعض حديثه، فإنما حديثه كالسحر فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا، فإنه فرَّق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وابنه، فوالله ما زالوا يحدثوني شأنه، وينهوني أن أسمع منه، حتى قلتُ: والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني، قال: فعمدت إلى أذني فحشوتها كرسفًا، ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا في المسجد، فقمت قريبًا منه، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فقلت في نفسي: والله إن هذا للعجز، وإني امرؤ ثبت ما تخفى علي الأمور حسنها وقبيحها، والله لأتسمعن منه، فإن كان أمره رشدًا أخذت منه، وإلا اجتنبته، فنزعت الكرسفة، فلم أسمع قط كلامًا أحسن من كلام يتكلم به.

فقلت: يا سبحان الله! ما سمعت كاليوم لفظًا أحسن، ولا أجمل منه، فلما انصرف تبعته فدخلت معه بيته، فقلت: يا محمد إن قومك جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا فأخبرته بما قالوا، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق، فاعرض على دينك، فعرض علي الاسلام، فأسلمت، ثم قلت: إني أرجع إلى دوس وأنا فيهم مطاع، وأدعوهم إلى الاسلام، لعل الله أن يهديهم، فادع الله أن يجعل لي آية، فدعا له أن يجعل الله في عصاه نورًا: اللهم اجعل له آية تعينه. فذهب إلى قومه فدعاهم للإسلام".

والشاهد والعبرة مِن القصة: أن الطفيل -رضي الله عنه- لم يتأثر بكلام كبار قريش ولم يثنه عن السماع من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أيضًا تأثر بكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك أثَّر هو في معظم قومه، ودخلوا في الإسلام،

ولم يكن الطفيل ـرضي الله عنهـ من علماء الصحابة، ولا مِن رواة الأحاديث، لكن يكفيه فضلًا وشرفًا أن أبا هريرة ـرضي الله عنه- أسلم على يديه، فقد كان ضمن السبعين عائلة الذين أسلموا على يد الطفيل -رضي الله عنه وأتى بهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بخيبر، ومِن ثَمَّ فهو حسنة من حسناته، وكل ما جاء من الخير العظيم ونشر العلم ورواية الأحاديث التي رواها أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتي تزيد على خمسة آلاف حديث، هي في ميزان حسنات الطفيل -رضي الله عنه-.

فما بالنا نحن اليوم لم نؤثِّر في أقرب الناس إلينا داخل الأسرة الواحدة؛ فضلًا عن غيرهم من الناس والزملاء والأصدقاء والجيران؟!

أين الخلل؟!

لابد من مراجعة في كل شيء، وأول ذلك: الإخلاص، والرفق واللين في الدعوة، وإتقان القرآن، وتنويع الأساليب، والصبر.

والحمد لله رب العالمين.