الفساد (56) الآثار السلبية للمدارس الأجنبية (2-2)

  • 126

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد جاء ظهور المدارس الأجنبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي إيذانًا بالغزو الفكري الغربي لبلادنا؛ إذ كانت هذه المدارس على نوعين:

1- مدارس تابعة للإرساليات والهيئات والجمعيات التبشيرية (التنصيرية) خاصة الكاثوليكية والبروتستانتية، وكانت كل إرسالية تحمل لقبًا؛ فهذه (إرسالية الفرير)، وتلك (إرسالية الجزويت)؛ كل بحسب انتمائه.

2- مدارس تابعة للقنصليات الأجنبية، عُرفت باسم: مدارس الجاليات؛ فهذه فرنسية، وتلك أمريكية، وتلك إيطالية.

وكل مدرسة من النوعين تخدم ما تنتمي إليه من خلال مناهج وبرامج قومية أو دينية غربية، تخدم الأهداف الاستعمارية والتبشيرية من خلال التأثير على مَن وُجهت إليهم مِن أبناء المسلمين، وبالتالي صبغهم بالصبغة الغربية.

لقد كانت هذه المدارس لمدة قرن ونصف قرن -وما زالت- تعد صورة من الاستعمار الأجنبي الفكري والثقافي والعقدي، وهي أشد قطعًا من الاستعمار العسكري، فهي في أقل أحوالها مدارس تعليمها الأجنبي تعليم علماني دنيوي، يستبعد التعليم الديني (الإسلامي) من مناهجه ويتنكر للغة العربية، وهي محاضن أجنبية للأجيال المسلمة تربطها بالغرب.

قال الأستاذ محمد إقبال مبينًا مخاطر هذه المدارس: (إن التعليم الغربي هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكون كما شاء، وأن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيرًا من أي مادة كيماوية) (انظر: المدارس العالمية، تأليف: بكر بن عبد الله أبو زيد – ط . دار العاصمة، ص 9).

دلالات أسماء المدارس الأجنبية:

الاسم دليل على المسمى وُضع للدلالة عليه؛ لذا يعرف به ويدل على حقيقته، وبالتالي يكون الرغبة فيه أو الحذر منه، فالأسماء قوالب للمعاني. وإذا أراد البعض اللبس أو التلبيس عمد إلى وضع الأسماء على خلاف ما تحتويه من الحقائق، فلا تعرف حقيقة الأمر إلا بمعرفة مقاصده وأهدافه؛ إذ العبرة عندئذٍ بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، والمدارس الأجنبية الوافدة علينا تدل أسماؤها على الغاية الواضحة -وبلا مواربة-، وبعضها لا يعرف إلا بالاطلاع على أهدافها.

أ- الأسماء العامة للمدارس الأجنبية:

فباعتبار وفادتها إلى بلاد الإسلام فتسمى بالمدارس الأجنبية وبالمدارس الإفرنجية والغربية.

وباعتبارها مدارس علمانية تهتم بالعلوم الدنيوية على حساب التعليم الديني (الإسلامي) واللغة العربية (لغة القرآن الكريم) فتسمى بالمدارس العالمية والمدارس الحديثة.

ويسميها البعض (مدارس دنلوب) نسبة إلى القسيس (دنلوب) -المبشر اللاهوتي- الذي عينه المعتمد البريطاني (كرومر) مستشارًا لوزارة المعارف المصرية عقب الاحتلال البريطاني فوضع منهج تعليم علماني للمدارس المصرية ما زال مطبقًا.

وباعتبار المقصد والغاية أطلق عليها الأستاذ أنور الجندي: (الخنجر المسموم)، وعنون به كتابه: (الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون)، بينما سماها الأستاذ عبد العزيز الثنيان: (السيوف الخفية) في مقالة له منشورة في جريدة الجزيرة في العدد 11514 بتاريخ: 15 / 11 / 1420، وسماها البعض بلا مواربة: (المدارس الاستعمارية) (راجع: المدارس العالمية، ص 30 - 31).

ب- الأسماء الخاصة للمدارس الأجنبية:

تكشف الأسماء الخاصة للكثير من المدارس الأجنبية وبلا مواربة عن حقيقتها وكونها مدارس تبشيرية (تنصيرية) أو مدارس علمانية غربية تهتم بنشر الأفكار والقيم والمبادئ الأوروبية الغربية، ويؤكد ذلك معرفة من يقف وراءها، ويتولى أمرها من الهيئات والجهات؛ فباعتبار تبعيتها للتبشير كتب الأستاذ يوسف العظم عنها في رسالته: (أين محاضن الجيل المسلم؟) يقول: (ولو اتسع المجال هنا لسردت لكم أسماء تلك المدارس جميعًا وأسماء المؤسسات أو الطوائف أو الأفراد الذين يكمنون خلفها، ولكن لن أحرمكم مِن تلمس الداء والإحساس بالخطر، فأنقل لكم موجزًا عن ذلك في عرضٍ سريعٍ:

أما المدارس، فمنها: المدرسة اليسوعية، مدرسة المطران المارونية، الفرير، المعمدانية، التراسنطا، راهبات مار يوسف، الراعي الصالح، المطران، المانويت، راهبات الفرنسيسكان، ميتم الأرض المقدسة، هانوميان بوزباستيان البيلار، المدرسة الأمريكية، والأرمن الأرثوذكس، طاركنشاتس، الشبان المسيحية، الأفنستت، المخلص، السالزيان، السبئيين، راهبات سيدة الرسل، الكلية البطريكية، اللاتينية، الناصري، الإنجيلي، التقارب، المسيحي، راهبات الوردية، الثقافة الأرثوذكسية، السريان، راهبات صهيون، القبطية، الشهيدة دميانة، سيدة البشارة، السلام، المحبة، القديسة مريم، القديس نيقولا، العائلة المقدسة، المدرسة الليسية، إلخ، وهذا قليل مِن كثير، ولكن هناك ملحوظتان لا بد مِن إبدائهما، هما:

أولًا: أن معظم هذه المدارس ذات فروع متعددة للرياض والبنين والبنات.

ثانيًا: أن كل هذه المدارس لا تستأجر بيوتًا، وإنما تمتلك البيوت والحدائق والعمارات في ظل الكنيسة وأفياء الدير.

وأما المؤسسات والطوائف التي تكمن خلف هذه المدارس التبشيرية، فمنها: البطريركية اللاتينية، جمعية القدس والشرق، المجمع الكنسي، بطريركية الأرمن، إرسالية المعمدانية، جمعية المانونيت، الأسقفية ألإنجليكانية لكنيسة المعمدانية، راهبات الفرنسيسكان، أخوة المدارس، المسيحية، الآباء الفرنسيسكان، الرهبنة السالية، الكنيسة اللوثرية، الاتحاد اللوثري العالمي، مؤسسة الأمريكان، جمعية اتحاد القدس، جمعية السريان الخيرية، إرسالية الأفدنستت، بطريركية الروم الكاثوليك، وبطريركية الأرثوذكس، بطريركية الأرمن الكاثوليك، مطرانية السريان الأرثوذكس، جمعية التقارب المسيحي.

وواضح مِن سياق ذكر المدارس التي سمعتم أسماءها أنني لم آتِ عليها جميعًا كما لم أعرض أسماء كل الجمعيات والمؤسسات التي تمولها؛ لأن ذلك يطول بنا، ولكنه عرض لأهمها وأبرزها وأشهرها. وهناك الكثير المنتشر الذي تعرفه كل مدينة وقرية وحي أردني وجد فيه النصارى أم لم يوجدوا) (المدارس العالمية، ص 31 - 34 بتصرفٍ).

المدارس الأجنبية قرة عين المبشرين:

لجأ المبشرون إلى فتح المدارس التعليمية في بلاد المسلمين؛ لاستقبال النشء المسلم فيها بهدف التأثير عليهم وتشكيكهم في معتقداتهم وزعزعة إيمانهم، ولقد استفاد المبشرون من هذا الأسلوب من التبشير إفادة كبيرة، تدل على خطورة هذه المدارس وإسهاماتها في تحقيق أهداف التبشير.

يقول المبشر زويمر: (المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكك بالمسلمين) (الغارة على العالم الإسلامي: ص 101).

وتقول المبشرة آن ميليجان: (لقد استطعنا أن نجمع في صفوف كلية البنات في القاهرة، بنات آباؤهن باشوات وبكوات، ولا يوجد مكان أخر يمكن أن يجتمع فيه هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وبالتالي ليس هنالك مِن طريق أقرب إلى تقويض حصن الإسلام من هذه المدرسة) (دمروا الإسلام أبيدوا أهله، ص 87، نقلًا عن التبشير والاستعمار).

ويقول المبشر دانتي: (كان التعليم وسيلة قيمة إلى طبع معرفة تتعلق بالعقيدة المسيحية والعبادة المسيحية في نفوس الطلاب) (الغزو الفكري والتيارات المعادية، ص: 68).

ويقول د. محمد محمد حسين: (وقد دأب الأمراء والأثرياء والطبقات العليا من المستوزرين والحكام على إرسال أبنائهم وبناتهم إلى هذه المدارس التي كانت تعد تلاميذها للمناصب. وأقدم عليها أبناء الطبقة المتوسطة تقليدًا لهؤلاء الأثرياء في بعض الأحيان وإعجابًا بنظامها المحكم الدقيق، وببراعة تلاميذها في اللغات الأجنبية، التي تعد صاحبها لكثيرٍ مِن الأعمال المربحة في أحيانٍ أخرى) (نقلًا عن الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج 1 / 259)، (وأخطر ما في المسألة: أن هؤلاء الأطفال هم خاصة المسلمين وخلاصتهم من ناحية الأسر والبيوتات التي ينتمون إليها، ومِن ناحية المستقبل الذي ينتظرهم في قيادة أمتهم تبعًا لذلك فكريًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا) (الغزو الفكري والتيارات المعادية، ص 69).

ولقد تدرج المبشرون في هذا الباب فما كانوا ليبدأوا نشاطهم هذا بصبغة دينية مكشوفة، فبدأوا بفتح مدارس وكليات علمانية؛ لإبعاد النشء عن الإسلام وتعاليمه.

يقول المبشر صموئيل زويمر: (ما دام المسلمون ينفرون من المدارس المسيحية فلا بد أن ننشأ لهم المدارس العلمانية، ونسهِّل لهم الالتحاق بهذه المدارس التي تساعدنا على القضاء على الروح الإسلامية عند الطلاب).

ويقول المبشر تكلي: (يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيرًا من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية).

ثم لما استتبت الأمور ووصل أثر التغريب إلى مناهج التعليم في بلاد المسلمين خاصة بعد الاحتلال الأجنبي؛ لجأ المبشرون إلى فتح مدارس تبشيرية يشرف عليها مبشرون وقساوسة لتلقين الصغار تعاليم مأخوذة من المبادئ النصرانية.

يقول زويمر: (إن للتبشير بالنسبة للحضارة الغربية مزيتين: مزية هدم ومزية بناء، أما مزية الهدم فنعني به: انتزاع المسلم من دينه ولو بدفعه إلى الإلحاد، وأما البناء فنعني به: تنصير المسلم إن أمكن ليقف مع الحضارة الغربية ضد قومه) (دمروا الإسلام، ص 72).

فالمدارس التبشيرية (تهيئ للطالب مِن أي مذهب جوًّا مسيحيًّا، وتحمله على ممارسة التقوى المسيحية والسلوك المسيحي، وخصوصًا ما دام طفلًا، وهكذا ينشأ الطالب وتنشأ معه فلسفة مسيحية للحياة) (الغزو الفكري والتيارات المعادية، ص 68 - 69).

يقول المبشر جون موط: (إن الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكرًا جدًّا، ومن أجل ذلك يجب حمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم سن الرشد، وقبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية. ويقول هنري جب: (إن التعليم هو واسطة إلى غاية فقط في الإرساليات المسيحية؛ هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح، وتعليمهم حتى يصبحوا أفرادا مسيحيين وشعوبا مسيحية).

ومِن أمثلة هذه النوعية من المدارس الأجنبية في الإسكندرية:

- مدرسة سيكارت هارت (وتعني: القلب المقدس) بمنطقة رشدي، وتشرف عليها القنصلية البريطانية.

- مدرسة المير دي ديو (وتعني: أم الرب أو أم الإله) -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-، وهي بمنطقة وابور المياه.

- مدرسة نوتردام دي سيون (وتعني: أخوات نوتردام) بمنطقة جليم، والمدرستان تابعتان لإشراف القنصلية الفرنسية.

- مدرسة سان شارل بورميه (ونعني القديس شارل بورميه)، وهي بمنطقة حي الجمرك، وتشرف عليها القنصلية الألمانية. (راجع في ذلك: موضوع التبشير من كتاب (مذاهب فكرية في الميزان) د. علاء بكر- ط. مكتبة فياض - المنصورة - ص: 27 - 43)(1).

مناهج المدارس الأجنبية تبعيتها للغرب:

لتحقيق أهداف وغايات هذه المدارس، فإن مناهجها التعليمية غربية؛ إذ أعطتها الدولة ذلك الامتياز، وهذه ازدواجية في التعليم غير مقبولة في ظل استقلالية الدولة وسيادتها على مناهجها ونظامها التعليمي، إذ لا يقبل ذلك خاصة في ظل مخاطر العولمة على هويتنا، وخطورة التبشير على أجيالنا، ولا نظن أن هناك دولة تحترم تاريخها وهويتها وجذورها، ترتضي بأن يخرج البعض عن نظامها التعليمي القومي بهذه الصورة الممقوتة.

ونكرر أن في هذه المدارس الأجنبية:

(1- برامج التعليم فيها ومناهجها هي المتبعة في بلادها، وعلى اتصال دائم بخطط التعليم القومي الديني غي بلادها.

2- الابتعاد في مناهج هذه المدارس الاستعمارية عن المناهج الرسمية للبلد المسلم التي تفتح فيها؛ لأن التقيد بها يفقدها عنصرًا أساسيًا في صفتها التبشيرية؛ ولهذا تشتد مطالبتها بجعل التعلية حرًّا.

3- اختيار المدرسين الذين على مللهم ونحلهم علمًا وتطبيقًا من القسس والرهبان وغيرهم.

4- رصد أضخم ميزانية في العالم لمواجهة الإسلام من طرق شتى، أهمها ما يصرف على المدارس والجامعات ورياض الأطفال) (المدارس العالمية، ص 48 بتصرفٍ يسيرٍ).

تغريب التعليم في بلادنا:

سعى الغرب إلى تغريب نظم التعليم في بلادنا في كل صورها وأشكالها، عن طريق غزوها بمناهج غربية تتربى عليها الأجيال من أبناء المسلمين، وقد نجح في ذلك بدرجةٍ كبيرةٍ.

وذلك عن طريق:

1- إنشاء المدارس والكليات العلمانية:

فمع بدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر عمد اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إلى تربية جيل من أبناء الوجهاء من المصريين لينشأوا في محيط إنجليزي يدينون له بالولاء ويكونون من أدوات المستعمر في تسيير أمور البلاد، وتعد كلية فيكتوريا واحدة من أبرز هذه الصور.

يقول اللورد لويد عند افتتاح الكلية عام 1936م: (كل هؤلاء لن يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ).

ويعد الملك حسين -ملك الأردن الراحل- من أشهر خريجي كلية فيكتوريا، وقد عرف طوال حكمه بتبعيته للغرب، ومثله العديد من خريجي الجامعة الأمريكية الذين تبوأوا مركز مرموقة ومناصب رفيعة في مختلف شئون الحياة في بلادنا.

يقول أبو الحسن الندوي: (إن القادة وولاة الحكم في البلاد المسلم كلهم إنتاج نظام التعليم الغربي ووليد حضارته. أما الذين لن يتح لهم أن يتثقفوا في بلد أوروبي وينشأوا في بيئته؛ فإنهم تعلموا في مراكز هذا التعليم في بلادهم، وتثقفوا بها تحت إشراف ممثليه الكبار ورقابتهم. إن بعضهم تخرجوا في الكليات الحربية التي يعنى فيها بالتعليم والتربية الغربية عناية فائقة؛ وذلك هو السر في أن العالم الإسلامي اليوم يتأرجح بين عقليتين وفلسفتين، ووجهتين مختلفتين تتصارعان دائمًا) (المدارس العالمية نقلًا عن: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، ص 182).

2- مع الاحتلال الأجنبي سارع الغرب إلى وضع مناهج للتعليم لخدمة أهدافه القريبة والبعيدة، ومن أجل ذلك جاء (دنلوب) المتخرج من كلية اللاهوت البريطانية ليرسم سياسة التعليم في مصر، حيث عينه اللورد كرومر مستشارًا لوزارة المعارف المصرية، وجعل في يده السلطة الفعلية فيها ليضع سياسة تعليمية تسير وفق ما يريده الغرب، فوضع مناهج كفيلة بقطع صلة الأجيال المسلمة بإسلامها، حيث أهمل تدريس الدين الإسلامي إلا اليسير منه، وشوه تدريس التاريخ الإسلامي، وأخفيت بطولاته ونهضته وحضارته، في الوقت الذي مجد فيه تاريخ أوروبا والغرب، وصور الغرب على أنه العملاق الذي لا يقهر! وصار التعليم من وقتها في المدارس الحكومية (الوطنية) لعامة أبناء على وفق ما أراده هذا القس ورجل التبشير، حيث نفذ ما أراد، وسار على نهجه مَن جاءوا بعد مِن تلاميذه والمخدوعين فيهم، وما زالت آثار هذه السياسة التعليمية باقية في التعليم المصري ثم العربي إلى أيامنا تلك.

ومِن أبرز ملامحها -كما هو مشاهد-:

أ- ضعف الاهتمام بالتعليم الديني:

حيث تعد مادة التربية الدينية الإسلامية من المواد الدراسية الثانوية غير الأساسية، مما جعلها في الواقع وفي نظر الطلاب غبر ذات بال؛ مما ترتب عليه الاستخفاف بها والتهاون في ممارسة العبادات والالتزام بالسلوك الديني، وبالتالي قلة الوازع الديني في نفوس الطلاب وابتعادهم عن الإسلام عملًا وعلمًا، وظهرت بين الشباب مع هذه الأمية الدينية تيارات فكرية منحرفة بعد ذلك.

ب- تشويه تدريس التاريخ الإسلامي:

وذلك بتقليص مناهجه وإغفال بطولاته وأمجاده، والإساءة إلى رموزه ورجاله، حتى صارت الصفة الغالبة على التلاميذ هي جهلهم بتاريخهم وأمجاده، بل والاستخفاف به.

ج- إحياء النعرات الإقليمية الجاهلية:

عن طريق التركيز عليها في مناهج الدراسة، وعرضها بصورة براقة تغري بالاعتزاز بها أكثر من التاريخ الإسلامي الذي هو أعظم منها بكثير كما في تاريخ الحضارة الفرعونية.

د- عرض تاريخ أوروبا بصورةٍ لامعةٍ جذابةٍ مع الإشادة برموزه ورجاله، وتنصيبهم كمُثُل عليا أمام المتعلمين، مع عرض وتدريس مذاهب وفلسفة الحضارة الغربية المادية.

هـ- الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية: حيث ربطت الشهادات والدرجات العليا والوظائف الكبرى بإتقان هذه اللغات. وفي المقابل: إهمال اللغة العربية وتشجيع اللغة العامية لتكون اللغة السائدة المستعملة في الأدب والشعر والحياة العامة.

و- تقليص دور التعليم الأزهري: إذ صارت الأولوية عند الكثيرين للتعليم العلماني لما يتمتع به خريجوه من رعاية واهتمام والحصول على الوظائف والمناصب العليا في البلاد، وذلك على حساب العناية بأبناء الأزهر وخريجيه (راجع: مذاهب فكرية في الميزان، ص 56-60).

آثار تلك المدارس الأجنبية على ازدواجية التعليم:

(إذا تبنت أمة نظام تعليم وافدٍ في ظل عقيدة غير عقيدتها، وأخلاق غير أخلاقها؛ فإنه ينتج أهدافه منعكسة عليها في الاعتقاد والأخلاق والسياسة والاجتماع، لا تنطوي عليه نفوس ناشئتها من أفكار وانحرافات مغايرة لما عليه إيمانها وعقيدتها وسلوكها، مفضيًا ذلك إلى زعزعة العقيدة ثم الردة الفكرية فالعقدية، وبه تئول حياة الأمة إلى تبددٍ وانقسامٍ، وتصدعٍ وصراعٍ، وتعيش في ظله بين البناء والهدم، والتصديق والتكذيب، والاحترام والازدراء، والتشقق في تزايدٍ وامتدادٍ، والصراع في تصاعدٍ واتساعٍ! ولا تسأل حينئذٍ عن فشو الفوضى، واضطراب الأحوال) (المدارس العالمية، ص 49 -50).

آثار تلك المدارس على اللغة العربية:

فالتعليم باللغة الأجنبية، يعني تغليب هذه اللغة على اللغة العربية، فكل لغة تحمل فكر الناطقين بها. (وإذا حيل بين المسلم ولغته -لغة القرآن- تم العزل له بطبيعة الحال عن إسلامه وأمجاده وحضارته)، (ويتكون لدى الطالب عقدة الإحساس العميق بقصور لغته عن تدريس العلوم الحديثة، ثم قطع صلة هذه العلوم بالإسلام ولغته العربية)، (ثم أنفة الشباب المسلم من لغتهم وآدابها، حتى لا يعلموا منها إلا العامي منها، وهذا سبب فعال في تدهور اللغة العربية وحجبها، وآخر المطاف: صرف الجيل عن تراث الأمة الإسلامية المكتوب بلسانها العربي، وفي مقدمة ذلك الوحيان: الكتاب والسنة).

آثار تلك المدارس على التربية الإسلامية:

فالوليد المسلم الذي يرمي به أبواه في أحضان المدارس الأجنبية؛ إما أن يخرج مسلمًا خواءً مفرغًا عن مقوماته من حيث لا يشعر، مشحونًا بمقومات غيره في دينه وثقافته، وإما إلى غير دين (لا دينية)، حيث الفكر العلماني والإلحاد والشك في مدى صحة الإسلام كدين! حيث إن هدم العقيدة الإسلامية بتجاهلها يفضي إلى الإلحاد، نعوذ بالله من ذلك. وإما تنشئته على السلوك والتقوى على الفكر المسيحي على حدِّ قول أصحاب المدارس النصرانية نفسها.

وهدم الأخلاق الإسلامية وتجاهلها كسلوكٍ، وما تحمله مِن فضيلةٍ وعفةٍ وحياءٍ خاصة مع ترك زي الفتيات الإسلامي، وإباحة الاختلاط بين الجنسين؛ ينتج شيوع المنكرات، ثم النزعة إلى الإباحية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  للاستزادة راجع:

- (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة)، إشراف ومراجعة د. نافع بن حماد الجهيني - إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي - موضوعات: التبشير (التنصير) - الاستشراق - العلمانية - التغريب مِن ص 605 إلى ص 707).

- (التبشير والاستعمار: أحقاد وحملات): المستشار محمد عزت إسماعيل الطهطاوي.

- (أساليب الغزو الفكري): د. على جريشة - د. محمد شريف الزيبق.

- (الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام): د. عبد الستار فتح الله محمد.

- (التبشير والاستعمار): د. مصطفى الخالدي ود. عمر فروخ.

- (الاستشراق والمستشرقون): د. مصطفى السباعي.

- (قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله): جلال العالم.