جنتي وبستاني في صدري

  • 220

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فعلى المؤمن أن يستصحب في سيره إلى الله عدة أمور في التعامل مع المصائب والابتلاءات، مِن أهمها:

أن يكون حسن الظن بالله، فالله -تعالى- قدير لا يعجزه شيء، وهو -سبحانه- غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وهو عظيم المن والرحمة، قال الله -سبحانه وبحمده-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى:28).

وفي أصعب المواقف تجد الله -سبحانه- ينزل على أوليائه وأصفيائه البُشريات والتطمينات؛ رحمة ورأفة بهم، كما قال -سبحانه وبحمده-: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (يوسف:15).  

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يَقُولُ تَعَالَى ذَاكِرًا لُطْفَهُ وَرَحْمَتَهُ وَعَائِدَتَهُ، وَإِنْزَالَهُ الْيُسْرَ فِي حَالِ الْعُسْرِ: إِنَّهُ أَوْحَى إِلَى يُوسُفَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ الضَّيِّقِ، تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ: إِنَّكَ لَا تَحْزَنْ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ فَرَجًا وَمُخْرَجًا حَسَنًا، وَسَيَنْصُرُكَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَيُعْلِيكَ وَيَرْفَعُ دَرَجَتَكَ، وَسَتُخْبِرُهُمْ بِمَا فَعَلُوا مَعَكَ مِنْ هَذَا الصَّنِيعِ".

وأنزل -سبحانه وبحمده- أيضًا على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وهو مهاجر مطارد من قومه، البشرى ليس بنجاته فحسب، بل ونصره بعودته إلى موطنه مكة مرة أخرى فاتحًا لها، كما فسَّر ذلك ابن عباس -رضي الله عنهما- قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (القصص:85).

وعلى المؤمن أيضًا أن يوطِّن نفسه دائمًا أن تتكيف مع الوضع المتاح، وتستخرج منه أفضل ما فيه من غير كسل ولا قعود ويأس، كما قصَّ علينا -سبحانه وبحمده- مِن نبأ نبيه يوسف -عليه السلام- عند دخوله السجن ظلمًا، كيف أنه لم يتغير، بل ظل -عليه السلام- على إحسانه إلى أهل السجن، "وَكَانَ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَام- قَدِ اشْتُهِرَ فِي السِّجْنِ بِالْجُود وَالْأَمَانَةِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَحُسْنِ السَّمْتِ، وَكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ-، وَمَعْرِفَةِ التَّعْبِيرِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى أهل السجن، وعيادة مَرْضَاهُمْ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمْ" (تفسير ابن كثير).

فانظر كيف لم تؤثِّر فيه الظروف، بل هو مَن أثَّر فيها، واستغل حاجة صاحبيه لتعبير الرؤيا، وأخذ يدعوهم إلى توحيد الله، وأنه أجل وأعظم النعم، وبيَّن لهم قبح ما هم عليه مِن الشرك بالله، وعجز آلهتهم المزعومة، وأن الأمر كله بيد الواحد القهار؛ فلا تحسبوه شرًّا لكم، بل خير لكم -إن شاء الله-.

واعلم أن لكل حال عبودية لا تنتهي، فإن أغلق أمامك باب، فتح الله لك بمنه ورحمته أبوابًا، فاستعن بالله ولا تعجز، وتعلم واجتهد أن تكون جنتك بصدرك؛ فهنا يهون عليك -بإذن الله- الكثير والكثير، وتكون -بإذن الله- مؤثرًا لا متأثرا فحسب، كما قال ابن تيمية -رحمه الله- فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم -رحمه الله- فقال: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، وإن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعـة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وقال لي مرة: المحبوس مَن حبس قلبه عن ربه -تعالى-، والمأسور مَن أسره هواه" (الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم).

فاللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.