قاعدة: "رفض التأويل الكلامي الفاسد"

  • 216

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقواعد المنهج السلفي: هي الأسس التي وُضعت لفهم النصوص الشرعية والاستدلال بها، وهي تتمثل من التتبع والاستقراء في ثلاث قواعد مميزة للمنهج السلفي في الفهم والاستدلال عن غيره من المناهج، وهي:

(1) التمسك بفهم الصحابة رضوان الله عليهم.

(2) ضبط العلاقة بين النقل والعقل

(3) رفض التأويل الكلامي.

وفي معلم واضح ومميز لهذا المنهج، وهو:

(4) كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث.

ونشرع الآن بعون الله في بيان هذه القاعدة:

"رفض التأويل الكلامي الفاسد".

لفظ التأويل في الشرع له عدة معانٍ:

الأول: (بمعنى التفسير)، تفسير اللفظ وبيان معناه؛ كما دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

الثاني: (بمعنى ما يؤول إليه الأمر)، كما قال -عز وجل-: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) (الأعراف:53)، فالله -عز وجل- هنا يخبرنا عن يوم القيامة، ويخبرنا عن الجنة والنار؛ فتأويل ذلك: أن يحدث ما أخبرنا الله -عز وجل- به.

الثالث: (التأويل في اصطلاح المتأخرين)، وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر المتبادر منه إلى احتمال آخر مرجوح (معنى أخر) لدليل يقتضي ذلك (قرينة من لفظٍ أو فعلٍ).

وهذا التأويل على نوعين:

أ- تأويل مقبول: وفيه يكون الدليل الصارف عن المعنى الظاهري المتبادر دليلًا صحيحًا ثابتًا، وله شروط:

- أن يحتمل اللفظ لغة هذا المعنى المرجوح.

- ورود ما يفيد وجوب هذا التأويل لظاهر النص من النبي -صلى الله عليه وسلم-.

- سلامة دليل التأويل من معارض.

- أن يدل عليه دليل صريح من الكتاب والسُّنة إذا كانت المسألة مِن مسائل الاعتقاد.

ب- تأويل مردود: إذا كان الدليل الصارف ليس بدليلٍ شرعيٍ أصلًا، (أو) كان دليلًا ضعيفًا لا يُحتج به، (أو) لا يقوى هذا الدليل على معارضة الدليل الشرعي الأول.

إذًا وبناءً على ما طُرح مِن تقسيم:

فالتأويل المقبول عند السلف هو: (صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى احتمال آخر بدليل صحيح ثابت)، ومثاله: ما جاء في الحديث القدسي الصحيح: (آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي) (رواه مسلم)، وتأويلها هنا: أي: مرض عبدي؛ لانطباق الشروط السابقة:

- تحتمله اللغة فهو مِن مجاز حذف المضاف.

- دلَّ عليه الدليل من نفس الحديث من قوله -تعالى-: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ).

- سلم هذا الدليل مِن معارض.

- ليس من صفات الله المرض، ولا الاستسقاء، ولا الاستطعام؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما بيَّن الله ذلك، وبيَّن رسوله -صلى الله عليه وسلم- هذا في غير موضع من الكتاب والسنة.

بينما التأويل الكلامي المذموم والمرفوض عند السلف: (هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر المتبادر منه إلى احتمال آخر مرجوح بغير دليل)، ومثاله:

- قوله -تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5)، فيقول المتكلمون: استوي بمعنى: استولى؛ ليوافق مذهبهم في نفي الاستواء؛ ظنًّا منهم أن الاستواء يلزم منه التحيز! وهذا خطأ كبير؛ فمعنى الاستواء معلوم، وهو: (العلو والارتفاع)، وهو علو بكيفية تليق بجلاله -سبحانه وتعالى- لا تستلزم التحيز، فالله -عز وجل- (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى:11)، بينما هذا التأويل المذكور منهم: (استولى) يُفهم منه أنه كانت هناك منازعة على العرش تتطلب الاستيلاء مِن طرفٍ على ما عند الآخر؛ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا؛ وهذا هو التأويل الفاسد المرفوض.

لذا يُعد مِن السمات البارزة للمنهج السلفي في الاستدلال: رفض التأويل الكلامي؛ وهذا يعني الأخذ بظاهر مسائل الاعتقاد، وظاهر النصوص؛ وهو ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه، وما يحتف بها من القرائن.

والواجب عندهم في النصوص إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف؛ فإن كان الله أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا بإتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي؛ إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية، ولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر؛ لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفصيله، قال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف:3)، وقال أيضًا: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) (الأعراف:3).

أما المتكلمون فيزعمون: أن أدلتهم العقلية المأخوذة من مصطلحاتهم الكلامية أدلة قطعية، وأصل يجب الرجوع إليه، فإذا عارضتها الأدلة الشرعية من الكتاب أو السنة؛ وجب -في زعمهم- تأويل النصوص الشرعية تأويلًا يجعلها موافقة للأدلة العقلية، وهذا هو التأويل الفاسد الذي يلجأ إليه المتكلمون في أبحاثهم الكلامية في مسائل التوحيد والعقائد الغيبية والصفات الإلهية.

فهو في اصطلاحهم يعني: (اتخاذ العقل أصلًا يكون النقل تابعًا له، فإذا ما ظهر تعارض بينهما -في زعمهم-، فينبغي تأويل النص حتى يوافق العقل).

وهذا المنهج للمتكلمين في تأويل النصوص بأدلتهم العقلية باطل مِن وجوه عدة، منها:

1- أن هذا النوع مِن التأويل للنصوص الصحيحة لتوافق عقول المتكلمين وأقوالهم، هو في حقيقته تحريف للنصوص وتعطيل لها.

2- لو فتح باب التأويل بهذه الطريقة؛ لانهدم الدين، وضاعت الأمة، ولكان لكل إنسان أن يقول: ظاهر الآية غير مراد، وظاهر الحديث غير مراد؛ إنما أراد الله -عز وجل- كذا، وإنما أراد رسول الله كذا، طبقًا لعقله القاصر، وتصوراته المؤدلجة، كما فعلت الخوارج من ناحية، والمرجئة من ناحية أخرى، وغيرهما مِن أهل البدع، ففتحت بذلك أبواب الشر العظيم على الأمة، وما أريقت دماء المسلمين وما ضُيعت معالم الدين؛ إلا بمثل هذا التأويل الفاسد.

3- الحجة العقلية الصريحة لا تعارض الحجة الشرعية الصحيحة، بل يمتنع تعارضهما؛ إلا إذا كانت الحجة العقلية فاسدة، أو الفهم للحجة الشرعية فاسد.

4- هذا التأويل لو كان سائغا لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولقال به الصحابة والتابعين؛ لذا فهو مِن البدع المضلة التي يجب رفضها وردها.

5- الموافقة على ما ذهب إليه المتكلمون في طريقة التأويل هذه، يؤدي إلى الاستخفاف بأدلة الكتاب والسنة، كما أنه يؤدي إلى صرف الناس عن دراسة الكتاب والسنة وفهم معانيهما.

6- كما أنه لا يجوز شرعًا معارضة كلام الخلاق العليم بالمصطلحات الكلامية التي وضعها بشر بعقولهم، وهي مأخوذة في الأصل من فلاسفة وعلماء كلام من غير المسلمين.

وخلاصة القول وحقيقته: هو أنه لا يجوز صرف لفظ من كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل صحيح يجب الرجوع إليه، أما ما ذهب إليه المتكلمون مِن منع إجراء آيات العقيدة على ظاهرها؛ فإنه قول يلزم منه منكرًا من القول وزورًا، فالقرآن الذي نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بألفاظٍ واضحةٍ بينةٍ، والذي هو حجة على المشركين -أهل الفصاحة وأساطين البيان والبلاغة-؛ صار ظاهره -الذي خاطب الله به عباده- عندهم كفرًا، بل مِن أصول الكفر كما يصرِّح به بعضهم!

فيا للعجب!

عجز أساطين البلاغة والبيان مع التحدي العام أن يقولوا بمثل ما قال به أهل الكلام!

أفكانوا عاجزين عن التشغيب بأن ما جاء به القرآن مخالف لما تقتضيه العقول، فجاء هؤلاء فقالوا: منكرًا من القول عظيمًا بمنعهم إجراء النصوص على ظاهرها، وقولهم بوجوب تأويلها؟!

فإنا لله، وإنا إليه راجعون.