الولاية القضائية الدولية

  • 178

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتلتزم الدول الأطراف باتفاقيات جنيف الأربع بنظام "المخالفات الجسيمة" الوارد بشكلٍ موسعٍ في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، والذي ينص على: أن الدول الأطراف مُلزمة بالبحث عن الأشخاص الذين يُدعى ارتكابهم، أو إصدارهم أوامر بارتكاب انتهاكات لاتفاقيات جنيف الأربع، وبروتوكولها الأول، والتي تُعتبر مخالفات جسيمة، وبمحاكمة هؤلاء الأشخاص بغض النظر عن جنسيتهم أمام محاكمها، أو تسليمهم إلى دولة طرف معنية أخرى كي تحاكمهم.

ويُعتبر هذا النظام خروجًا على مبدأ إقليمية القوانين.

والعنصر الأساسي لتطبيق مبدأ الولاية القضائية الدولية هو ارتكاب جرائم تمس حقوق الإنسان الأساسية المشمولة بحماية دولية، والمعترف بها دوليًّا بموجب اتفاقيات محددة، أو قواعد القانون الدولي.

ومِن أخص هذه الجرائم، ما نص عليه القانون الدولي الإنساني:

- جرائم الإبادة الجماعية.

- الجرائم ضد الإنسانية.

- جرائم الحرب.

- جريمة العدوان.

فكل ما يخص حماية المدنيين، وحماية الأعيان المدنية، وحماية الأشخاص الذين توقفوا عن القتال، وتقييد وسائل وأساليب القتال، يدخل في نطاق الولاية القضائية الدولية.

وقد أدرجت بعض الدول بتشريعاتها الوطنية قائمة المخالفات الجسيمة بشكل متفاوت، فبعض هذه الدول لها ولاية قضائية على بعض الجرائم دون بعض، ويختلف تاريخ سريان هذه الولاية مِن دولة إلى أخرى، وتشترط بعض الدول إقامة الجاني على أراضيها.

ويبدو أن الدولتين الوحيدتين اللتين لهما ولاية قضائية عالمية كاملة حتى اليوم هما: ألمانيا والنرويج.

وقد قضت محكمة العدل الدولية بأن رؤساء الدول، وبعض الوزراء يتمتعون بحصانة أمام المحاكم الوطنية، والمحاكم التابعة لدولة ثانية أثناء ممارسة مهامهم، لكن لا حصانة لهم أمام المحاكم الدولية، كالمحكمة الجنائية الدولية.

قانون قيصر:

صوتت الولايات المتحدة الأمريكية ضد اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، والتي وُقِعت عام 1998 INTERNATIONAL CRIMINAL COURT، ثم وقعت على الاتفاقية قبل المهلة الأخيرة في 31 ديسمبر 2000، ثم عادت وانسحبت مِن عضوية المحكمة مع بداية رئاسة جورج بوش الابن.

وقد اعتمدت أمريكا على المادة رقم 89 مِن النظام الأساسي للمحكمة، والتي نصت على: أن الاتفاقيات الدولية الثنائية تُطبق عِوضًا عن نصوص هذا النظام في حالة إدانة أي مِن مواطني الدولتين الموجود في أراضي الدولة الأخرى.

وتعللت أمريكا بعدة أسباب لمعادتها للمحكمة، ومنها:

- عدم توفير الحماية المنصوص عليها في الدستور الأمريكي للمواطنين الأمريكيين.

- أنها تحد مِن قدرتها على التدخل العسكري.

وربما كان الخوف مما اقترفه الجنود مِن جرائم في عدة دول: كالعراق وأفغانستان، وغيرهما.

ولعل هذا ما يفسِّر تهديد جون بولتون لقضاة المحكمة، وسحب تأشيرة فاتو بنسودا، وتهديد الدول التي ترفض توقيع الاتفاقيات الثنائية بالعقوبات الاقتصادية، وقطع المساعدات العسكرية.

وقد أصدر الكونجرس الأمريكي عام 2019 قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، والذي يتضمن ما يلي:

- إجراءات ضد البنك المركزي السوري.

- عقوبات متصلة بشخصيات أجنبية تورطت في معاملات مالية معينة.

- عقوبات ضد الحكومة السورية، والمليشيات المسلحة التابعة لها، والحكومتين: الروسية والإيرانية.

- حجب الملكيات والفوائد التابعة لها.

- منع تصاريح الدخول، أو إطلاق السراح المشروط.

- عدم استخدام المجال الجوي السوري لاستهداف المدنيين.

- فك الحصار عن المدنيين.

- تحرير السجناء السياسيين.

- حظر استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية "الجرثومية" وتدميرها.

- عودة المهجرين.

- محاسبة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا.

ويتساءل البعض عن سبب تأخير هذا القانون منذ 15 مارس 2011، وهل يهدف حقيقة لحماية المدنيين السوريين أم حماية إسرائيل؟!

أو هو أداة مِن أدوات إدارة الأزمة -وليس حلها-؛ لتحقيق المصالح الأمريكية؟!