أفلح الدائن والمدين

  • 308

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قال: (إنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ.

فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا) (رواه البخاري معلقًا مجزومًا، والنسائي وغيره مسندًا بسندٍ صحيحٍ).

هذه قصة لولا أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رواها لصَعُب تصديقها.

وفي القصة فوائد، منها وأهمها: كفى بالله شهيدًا، وكفى بالله كفيلًا؛ عبادة راقية وجميلة تُطمئن القلوب المرتجفة والقلقة، والمتألمة من الديون، وعسـر الحياة الدنيا.

المدين محتاج وفقير، وربما عنده أسرة وصغار، ولوازم ضرورية وملحة، ولا يمكن أن يؤخر طلب لصغيرة، ولا لزوجته، فهو يعيش بين ألمين: ألم الفقر وألم الطلبات، لكنه مؤمن بالله وعنده يقين، وحسن توكل على خالقه، ومعظم الشعب هذا الرجل، لكن ينقصه حسن التوكل، وهذه سلبية خطيرة جدًّا، ومِن آثار هذه السلبية وجدنا النصب والاحتيال والمحاكم مكتظة بالمتخاصمين بسبب الأموال، بل السجون ممتلئة أيضًا، وعندنا الحل موجود بين أيدينا، لكن الجهل والغفلة، فالمدين في القصة عنده حسن التوكل واليقين من خلال حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللهُ) (رواه البخاري).

فلو الجميع مصدق بهذا الكلام النفيس وقلبه ممتلئ باليقين وحسن التوكل على ربه ما وجدت مشاكل، لكن ضعف الايمان، أوقع كثيرًا من الناس في ضياع الأمانة والكذب، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:2-3)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

أما الدائن فهو أيضًا عنده حسن توكل وثقه بخالقه، مع أن النفوس البشرية محبه للمال مهما كثر؛ فهذا الدائن تعبَّد بعباده رائعة؛ ألا وهي إن رضي بالله شهيدًا وكفيلًا، وندر مَن يفعل ذلك في هذا الزمان، فهو لم يشهد بشرًا، بل أشهد خالق الكون ومالكه والمتصرف في شئونه، ولم يأتِ بضامن وكفيل، بل رضي بالله كفيلاً، وهذه ثمرة اليقين، وحسن التوكل على الله.

والتوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة والاعتقاد بأنه لا يعطى ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه سبحانه.

والتوكل على الله معناه في الأصل أن يفوض العبد أمره لله ويسلم حاله له، وأن يعتمد على ربه في قضاءِ حاجته ويثق به.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "التوكل هو الثقة بالله، وصدق التوكل أن تثق في الله وفيما عند الله، فإنه أعظم وأبقى مما لديك في دنياك".

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "وجملة التوكل: تفويض الأمر إلى الله -جل ثناؤه- والثقة به.

وقال الشافعي -رحمه الله-:

توكلت في رزقـي على الله خالقـي                  وأيـقـنـت أن الـلـه لا شـك رازقــي

وما يك من رزقــي فليس يفوتـني                  ولو كان في قـاع البحار العـوامـق

سـيـأتي بـه الله الـعـظـيـم بفـضـلـه                  ولو لـم يـكـن مـني الـلـسان بناطق

ففي أي شيء تذهب النفس حسرة                 وقـد قسـم الرحمن رزق الخـلائـق

وفي القصة صورتان من صور التوكل الصادق:

- توكل الدائن على الله ورضي بالله شهيدًا وكفيلًا.

- وتوكل المدين على ربه لما دفع المال في البحر، واتخذ ما يقدِر عليه من الأسباب كالدعاء ونقر الخشبة ثم وضعِ المال في جوفها، ثم إصلاحِ ثقبها، وكم من احتمال ان تغرق الخشبة أو تضيع أو يأخذها غير الدائن، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:3)؛ فكل أمورك لله، واتخذ ما تحت يدك من الأسباب، ولا تُعلِّق بها قلبك، والله ولي أمرك، ومَنْ صَحَّ تَوَكُّله أفلح سعيه.

إن هذه القصة تدل على عظيم لطف الله وحفظه، وكفايته لعبده إذا توكل عليه وفوض الأمر إليه، وأثر التوكل على الله في قضاء الحاجات.

وصدق مَن قال: "مَن اعتمد على ماله قلَّ، ومَن اعتمد على عقله ضلَّ، ومَن اعتمد على جاهه ذلَّ، ومَن اعتمد على الله لا قلَّ ولا ضلَّ ولا ذلَّ".

سل نفسك يوميًّا هذا السؤال: هل أنا متوكل على الله حقًّا أم أن قلبي تعلق بغيره؟ وحاول تحقيق المعنى الحقيقي للتوكل.

الحمد لله رب العالمين.

rl(null,true)])