كذاب ربيعة خير من صادق مضر!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد ادَّعى مسيلمة الكذاب النبوة كذبًا، فكان كثيرٌ مِن الناس يناصرونه حمية وجاهلية، مع علمهم بأنه كذاب، فكانت هذه الكلمات التي قالها "طلحة النميري" الذي قدِم إلى اليمامة، فطلب الاجتماع به وسمَّاه باسمه مسيلمة، فرد عليه قومه: "مه، رسول الله! فقال: لا، حتى أراه. فلما جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: مَن يأتيك؟ قال: رحمن. قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة. فقال: أشهد أنك لكذاب، وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر!".

وكان التنافس بين قبائل مضر وربيعة على أشده، فقبل هذا الرجل وأمثاله أن يتعصبوا للكذاب ما دام ينتمي لقبيلته، بل ويحبه، ويعادي الصادق ويكذبه ويحاربه ما دام لا ينتمي لفصيلته!

وقد كانت نهايته مثلما كانت نهاية مسيلمة الكذاب، فقد قتلا جميعًا يوم اليمامة، وهؤلاء سيقولون كما أخبرنا الله -تعالى-: (يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) (الأحزاب:66).

قال البقاعي -رحمه الله-: "يقولون وهم في محل الجزاء، وقد فات المحل القابل للعمل متمنين ما لا يدركون تلافيه؛ لأنهم لا يجدون ما يقدرون على أن يبرد غلتهم مِن ولي ولا نصير، ولا غيرهما؛ إلا هذا التمني" (انتهى).

ولذلك بيَّنوا السبب في عدم طاعتهم للرسل؛ أنهم أطاعوا السادة والكبراء، فقالوا: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا)، فكان هذا مصيرهم: (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب:67)، بل ويتمنى كلٌّ مِن هؤلاء العودة لاتباع الرسول واتخاذ سبيله الذي طالما نادى به ودعا إليه، فقال: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) (الفرقان:27).

ولما يعلم الحقيقة ويراها رأي العين، ويعلم حينها أن الذين كانوا بجواره ويمنعونه عن دعوة الحق؛ لم يكونوا أوفياء؛ لأنهم منعوه الخير ومصادقة الرسول الذي كان يدعوه للنجاة، يقول: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) (الفرقان:27).

قال البقاعي -رحمه الله-: "لما تأسف على مجانبة الرسول تندم على مصادقة غيره" (انتهى).

 وأشد الندم، الندم على متابعة الشيطان وتنفيذ أوامره، فقال: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) (الزخرف:38).

قال البقاعي -رحمه الله-: "قالها تندمًا وتحسرًا لا انتفاع له به؛ لفوات محله وهو دار العمل".

ثم لما تأكد مِن مصيره بعد أخذ كتابه بشماله قال: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة:25)، معلنًا تفريطه وعدم العمل لحياته الأخروية؛ ولذلك عبَّر بقوله: (قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) ولم يقل في حياتي: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر:24).

 ولما ذهبت هذه الأمنيات أدراج الرياح، وعلم أن مصيره المحتوم هو النار؛ تمنى شيئين لم يكن يومًا مِن الأيام يحبهما أو يقبلهما، فتمنى الموت بقوله: (يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ) (الحاقة:27)!

وتمنى لو كان ترابًا بقوله: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) (النبأ:40)!

وهو المتغطرس المتكبر الذي كان يتباهى بقوته، وملكه وماله، وأتباعه؛ فتأتي عليه لحظة يقول فيها ما كان يترفع عنه في الحياة الدنيا؛ فأي حياة تجعل الإنسان يندم كل هذا الندم مِن أجلها، فيتبرأ من أصحابه، ويتبرأ من قرينه، ويتمنى لو أن يعود للحياة ليطيع الله -تعالى- وليتبع الرسول، ويدع الأهواء والتعصب للقبيلة أو للرأي أو للشيخ، ولو كان على غير الجادة.

ورسالتنا: اعملوا في الدنيا بطاعة الله واتباع سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، واتركوا الأهواء والشبهات والشهوات؛ لتجنب الندم والأمنيات.

والله من وراء القصد.