الفساد (61) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (3-4)

  • 646

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتجتهد كل دولة -على اختلاف توجهها- في وضع منهجها التعليمي مِن خلال أصحاب الخبرة فيها والمتخصصين، على أن يحقق هذا المنهج التنمية الشاملة المرجوة للطلاب عقليًّا وروحيًّا، واجتماعيًّا، وبدنيًّا ونفسيًّا؛ لذا لا يخلو المنهج التعليمي من الجوانب التربوية إلى جانب تلقي العلوم والمعارف المختلفة، فالمنهج التعليمي يهدف القائمون عليه إلى جانب التعليم، تأصيل قيم وميول واتجاهات لدى جميع الدارسين.

ومن هنا تأتي خطورة المناهج في العملية التعليمية، فـ(المناهج هي الترجمة الواقعية لتطبيق الأهداف التعليمية وتحويلها من مرحلة الأماني إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ، وهي المجال الحيوي الذي يمكن أن نرى فيه هذه الأهداف شخصية ملموسة، والمنهج -أصلًا- هو جميع ما تقدمه المدرسة إلى تلاميذها تحقيقًا لرسالتها وأهدافها وفق خطتها في تحقيق الأهداف) (انظر: مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام، د. طلعت محمد عفيفي، ص 69 نقلًا عن: دراسات في أصول التربية، د. محمود قمبر وآخرون، ص 51).

لكل نظام سياسته التعليمية الخاصة به:

ما ذكرناه عن خطورة المناهج في العملية التعليمية (يفسِّر السر في حرص كافة الأنظمة على أن تتفق سياستها التعليمية مع ما يختاره كل نظام منها لنفسه، ووضع المناهج على النحو المراد إعداد الأجيال عليه، وإعلان الرفض بشدة لأية سياسة تعليمية تتعارض مع الاتجاه العام للدولة والنظام) (المصدر السابق، ص 70).

قال (جفرن) -وكان أحد علماء الاتحاد السوفيتي الكبار في مجال العلوم الطبيعية- معلنًا عن تميز المنهج التعليمي في الاتحاد السوفيتي عن غيره من المجتمعات غير الروسية: (إن العلم الروسي ليس قسمًا من أقسام العلم العالمي؛ إنه قسم منفصل قائم بذاته، يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف، فإن سمة العلم السوفييتي الأساسية أنه قائم على فلسفة واضحة متميزة، إن التحقيقات العلمية لا تزال في حاجة إلى أساس، وإن أساس علومنا الطبيعية الفلسفية المادية التي قدمها (ماركس وإنجلز ولينين وستالين). إنا نريد أن نخوض -وفي أيدينا هذه الفلسفة- في معترك العلم الطبيعي العالمي، ونصارع جميع التصورات الأجنبية التي تناهض فلسفتنا المادية والماركسية بكل حزم وقوة) (المصدر السابق، ص 70-71، نقلًا عن: نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية، لأبي الحسن الندوي، ط. مؤسسة الرسالة – بيروت، ص 55 - 56 بتصرف).

وما يقال عن روسيا يقال عن أي دولة أخرى، فالصين الشيوعية ترفض المناهج الروسية الشيوعية، وبريطانيا مع فكرها الغربي ومع كونها جارة لفرنسا لا تفكر في استيراد أي شيء مِن المناهج الفرنسية، وفرنسا بدورها ترفض مناهج غيرها.

معالم المنهج التعليمي في النظام الإسلامي:

يقول د. طلعت محمد عفيفي: (وفي ضوء ما تقدم: أرى أن معالم المنهج التعليمي في النظام الإسلامي تحتوي على العناصر التالية:

1- تنقية المناهج مما يخالف شرع الله.

2- التركيز على بعض العلوم التي تعرِّف الدارسين بأسس دينهم.

3- العمل على صياغة كافة العلوم بما يتفق وتعاليم الإسلام.

4- الاهتمام بالإعداد الخلقي للدارسين مقترنا بالتربية العقلية. (المصدر السابق، ص 72-73).

تنقية المناهج:

قال د. طلعت محمد عفيفي: (إن العالم المعاصر قد أصبح قرية صغيرة، وساعدت وسائل الاتصال السريعة على انتقال الثقافات والأفكار من مجتمع لآخر، ومنها ما يتعارض مع الإسلام، ويدعو إلى مخالفة قيمه. يضاف إلى ذلك: أنه في ظل تخلف العالم الإسلامي، ووقوعه تحت السيطرة الغربية، نجح أعداء الإسلام في فرض مناهج دراسية تروج لآراء المستشرقين والصليبيين، وتسبِّح باسم الحضارة الغربية، وترفع من قيمة علمائها، وتجعل من آرائهم ونظرياتهم قوانين تُبنى عليها حياة الفرد والمجتمعات، مع ما في آرائهم من طعن في الإسلام، ومخالفة لقيمه ومبادئه، وتشكيك في فعالياته ومعطياته!)، و(يترتب على تلقي المسلم للعلوم بهذه الصورة جملة من السلبيات).

(وفي ظل تعليم إسلامي يرجو الله واليوم الآخر لا قبول لهذه الآراء والنظريات التي تشجع على الإلحاد والإباحية؛ إلا إذا عُرضت مقرونة بما ينقضها ويكشف زيفها. وفي الوقت ذاته لا بد من إبراز دور علماء المسلمين ونظرياتهم في كافة أنواع العلوم المختلفة، وهي كفيلة بإمداد المسلمين بما يحتاجونه إليه مع تعميق إيمانهم بخالقهم، وذلك بعكس الأفكار والنظريات الغربية) (المصدر السابق، ص 73-74).

(وفيما يتعلق بحماية المسلم من أي علم يشوش عليه، أو يصيبه باضطراب في إيمانه، أخرج الإمام أحمد في مسنده -بسندٍ حسنٍ- عن جابر عن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟) والتهوك: من مادة (هوك)، والتهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير، (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (راجع المصدر السابق، ص 72 بتصرفٍ).

ومِن الحكم التي تتعلق بأهمية المناهج التي تدرس وسلامتها قولهم: (قل لي: ماذا تقرأ؟ أقل لك: مَن أنت).

ملامح منهج دراسة التربية الإسلامية:

يرى د. طلعت محمد عفيفي أنه ينبغي أن يُراعَى في منهج تدريس التربية الإسلامية ما يلي:

1- أن تكون التربية الإسلامية مادة أساسية في جميع مراحل التعليم، من الابتدائية إلى الجامعة، في جميع أنواع التعليم: العام والفني والعسكري، مع العناية بإعدادها واختيار موضوعاتها بما يتناسب والمستوى الفكري لكل مرحلة.

2- إعداد المنهج الديني المقرر على الدارسين بصورة مشوقة، وخالية من الغموض والتعقيد، وتعالج مختلف القضايا الفكرية والاجتماعية، وتصحح المفاهيم التي تتعارض مع الإسلام، بحيث تلبي حاجة الدارسين فيما يُفرض عليهم معرفته من علوم الشريعة، ويخرجهم من دائرة الجهالة بدينهم وشرعهم.

3- توجيه مزيد من العناية بالقرآن الكريم حفظًا ودراسة -وبخاصة في المراحل الأولى- فقد أثبتت التجارب أن توجيه الناشئين إلى حفظ القرآن يحفظ عقائدهم، ويزكي عقولهم، ويجوِّد ألسنتهم. قال العلامة ابن خلدون في مقدمته (ط. دار ومكتبة الهلال - بيروت - طبعة سنة 1983م، ص 334): (اعلم أن تعليم الولدان للقرآن -شعار الدين-؛ أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق فيه إلى القلوب التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد مِن المَلَكات).

4- الارتقاء بمستوى الأداء في تدريس التربية الإسلامية بما يخرجها عن أن تكون دراسة نظرية مجردة، وأن يبدو أثرها الإيجابي على الدارسين في سلوكهم وحياتهم، ولا يكون ذلك إلا بإعادة المكانة اللائقة للتربية الدينية بين سائر المناهج، وعدم التقليل من شأنها كما هو واقع الآن، والعناية باختيار مدرسيها من أصحاب الكفاءات العلمية الجيدة، المتمتعين بسيرة حسنة تؤهلهم لتدريس الإسلام وثقافته.

ويشير د. طلعت محمد عفيفي إلى بعض المآخذ على طريقة التدريس الحالية للتربية الإسلامية في مدارسنا، ومنها:

1- عدم المعايشة للقضايا التي تشغل عقول الشباب وتستحوذ على اهتمامهم، وعدم العناية بإبراز وجه الحق في هذه القضايا.

2- الاكتفاء بالحديث عن القيم الدينية التي تستفاد من دراسة بعض النصوص دون الاهتمام بكيفية التطبيق العملي لهذه القيم، ودون الاهتمام بترقي السلوك على أساسها.

3- خلو المنهج من العناية بعرض الإسلام ورسالته العامة للبشر كدستور للحياة الإنسانية بكل أبعادها في العقيدة والتشريع والأخلاق.

4- عدم العناية بإبراز العلاقة الحميمة بين الدين والعلم، وبيت العقيدة والحياة، والاكتفاء بدراسة الدين معزولًا عن العلوم، ودراسة العلوم بعيدًا عن الدين، وترك الناشئة والشباب للتمزق النفسي والصراع الفكري دون تفسير لما قد يظهر لدى الشباب من اعتقاد التفاوت بين الدين والعلم.

5- عدم العناية باختيار المدرس صاحب القدرة على عرض منهج التربية الإسلامية بالأسلوب الذي يحقق الغاية منه.

ويضيف د. طلعت محمد عفيفي: (والنتيجة لذلك كله هي ما سبقت الإشارة إليه من أن التربية الإسلامية تخرج عن كونها تربية إلى مجرد ثقافة عامة تؤهل الطالب للنجاح في الامتحان دون أن يكون لها أثر واقعي في حياته، بل تؤدي إلى زيادة نفوره من الدين) (المصدر السابق، ص 75 – 76، نقلًا بتصرف عن مقال: الخطوط الفكرية ومشاكل الشباب، للدكتور محمد الأحمدي أبو النور -وهو وزير سابق لوزارة الأوقاف المصرية-، والمقال منشور ضمن مقالات مؤتمر مشكلات الشباب في العالم الإسلامي المنعقد في القاهرة بتاريخ: 30 مارس 1981م تحت إشراف المركز الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية بجامعة الأزهر).

صياغة كافة العلوم وفق تعالم الإسلام:

(وهذا الأمر ليس عسيرًا ولا مستحيلًا إذا صدقت النوايا، وصح اعتقادنا بقدرة الإسلام على إصلاح النفس والمجتمع)، (ولقد طوعت هذه العلوم في بلاد لتخدم الإلحاد وتدعو إليه، وفي بلاد أخرى لتمكين العلمانية وإزاحة الدين عن قيادة الحياة؛ فلماذا نتصور عجز الإسلام عن تطويع العلوم لخدمة الأهداف العليا للدعوة الإسلامية، وهو الدين الذي قاد البشرية بأسرها نحو التقدم والرقي في شتى فروع العلم، ولا تزال إسهامات علماء المسلمين -حتى يومنا هذا- رافدًا من روافد العلم في أوروبا؟).

(ومن الضروري في هذا المجال: أن يتوفر المتخصصون على توفير المناهج قي صورتها الإسلامية، وهو الأمر الذي يعيننا على أن نبدأ بداية حقيقية، وليس مجرد اقتراحات وتوصيات، ونذكر هنا بأن المتخصصين لم يدخروا وسعًا في تقديم خبراتهم ومساهماتهم من خلال العديد من المؤتمرات التي عُقدت لهذه المسألة خصيصًا في أكثر من بلد إسلامي.

ومن أشهر هذه المؤتمرات:

- المؤتمر الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة سنة 1977م، والذي حضره ما يزيد على ثلاثمائة عالم ومفكر من شتى أرجاء المعمورة، ووضعوا خطة لإيجاد نظام إسلامي للتربية والتعليم، وتلا هذا المؤتمر مؤتمرات أخرى في باكستان والسودان وبنجلاديش وإندونيسيا.

- مؤتمر عقد في القاهرة في صيف عام 1996م تحت إشراف جامعة الأزهر للغرض ذاته.

ولكن هذه المحاولات لا تتم الاستفادة بها ما لم تتفاعل معها وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي، وتؤخذ المسألة بجدٍّ واجتهادٍ، وهو ما لم يحدث حتى الآن) (المصدر السابق، ص 76 - 78).

وهذا يبيِّن أهمية توفر الإرادة السياسية وتمسك المجتمع بالعمل على تحقيق ذلك، وللأسف فإن من أشد أخطائنا ما يظنه الكثيرون من المسلمين ويتبناه حكامهم أنهم يظنون أنه لا علاقة للإسلام بالتعليم ككل، وأنه يكفينا من الإسلام مادة التربية الدينية التي تُدرس في المدارس دون أي رغبة أو طمع فيما هو أكثر من ذلك، وهذا فهم يحتاج إلى تغييره بالكلية كما بينا.

الإعداد الخُلُقي التربوي للدراسين:

الإسلام لا ينظر إلى التعليم على أنه ثقافة وتحصيل علوم دون اهتمام بما يترتب على هذه الثقافة وهذه العلوم مِن نتائج وآثار، فالعلم من جهة نظر الإسلام ينقسم إلى علم نافعٍ وعلم ضارٍ، ومقياس هذا النفع أو الضر بمدى ما يحققه العلم للمتعلم من رفعة في أخلاقه وارتقاء في علاقته بربه -عز وجل-، وما يحققه لنفسه وللآخرين من منفعةٍ عاجلةٍ في الدنيا أو آجلة في الآخرة.

(قال د. عباس محجوب: يقع القائمون على التعليم في خطأ كبير، وهو الاعتماد الكلي على الجانب الإحصائي في إبراز منجزات التعليم من حيث التطور الكمي، وعدد المدارس والمدرسين، والزيادة الرأسية في ميزانيات التعليم ونسبتها إلى الميزانية العامة وما إلى ذلك من الشكليات)، (والمعروف أن الإحصاء هو شكل لا يدل على المضمون، وأن العبرة في التعليم ليست في النواحي الكمية، بل في آثار التعليم، وماذا أضاف في الإنسان في فكره وعقله وتجاربه وثقافته، وما أثر التعليم في تغير اتجاهات المجتمع نحو ما هو مطلوب؟ وما التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها؟ وما دور المناهج وما مدى مناسبتها تربويًّا؟

هذه الأسئلة وغيرها هي التي يفترض أن تشغل ذهن العاملين في التعليم بدلًا من الإحصاءات والتقارير واللجان والاجتماعات، وغير ذلك مما يأخذ الجهد والوقت على حساب التعليم) (المصدر السابق، ص 79 نقلًا عن: مشكلات الشباب: الحلول المطروحة والحل الإسلامي، ص 50 بتصرفٍ - د. عباس محجوب، كتاب الأمة رقم 11،  ط. ثانية سنة 1406هـ).

وقال د. طلعت محمد عفيفي: (وفي ختام حديثي عن معالم المنهج التعليمي في النظام الإسلامي أرى من الضروري الإشارة إلى شيء قد يلتبس فهمه على البعض، وهو أننا لا نعني بذلك الاهتمام بالعلوم الشرعية دونما سواها من علوم إنسانية وتجريبية وغيرها، بل على العكس زيادة العناية بهذه العلوم مع الانطلاق بها من منطلق إسلامي، وتوفير ما يحتاجه المسلمون في كافة التخصصات من خلال أناس مؤمنين بالله وملتزمين بأخلاق الإسلام، وبهذه المناسبة نذكر بأن العلماء ينكرون على أية جماعة يتوجه جمهور متعلميهم إلى الفقه ونحوه على حين لا يوجد في بلدٍ من بلدان المسلمين إلا طبيب يهودي أو نصراني يوكل إليه علاج المسلمين والمسلمات، وبينوا أن الإحاطة بعلم الطب وسد حاجة أهل البلد من هذا التخصص تعد من فروض الكفايات، وهكذا في كل نظير من العلوم) (المصدر السابق، ص 80).

الدور التربوي للمدرسة:

المدارس خاصة -والمؤسسات التعليمية عامة- هي الضلع الرابع المكمل للعملية التعليمية بعد المعلم والطالب والمنهج الدراسي، حيث يلتقي فيها المعلم مع الطالب ليعلمه المنهج الدراسي المطلوب تعليمه له، وهدف المدرسة -أو المؤسسة التعليمية- لا ينبغي أن يكون قاصرًا على الجانب التعليمي التثقيفي فحسب، ولا تقاس درجة نجاح المدرسة بما تحققه من نتائج ونسبة نجاح مرموقة فقط دون نظر إلى ما تقدمه وتقوم به من جوانب تربوية.

(لقد حكم التربويون على المؤسسة التي تقصر رسالتها على تحقيق هذا الجانب بالإخفاق والفشل، جاء في كتاب (دراسات في أصول التربية): (انتقد روبرت دريبين الفكر التربوي التقليدي الذي حصر فهمه للمدرسة كعملية تدريس، تنصب أساسًا على الجوانب المعرفية، واعتبر هذا الفهم فهمًا جزئيًّا، وغير شامل لكل جوانب التعليم المدرسي، فالجانب المعرفي ليس هو الجانب الأهم في عمل المدرسة، فمن الممكن للتلاميذ (صغارًا وكبارًا) أن يصلوا إلى المعارف والمعلومات حتى في مستوياتها العليا من مصادر خارج المدرسة، مثل: وسائل الاتصال والسفر، والرحلات والمتاحف والمكتبات، أو بالاتصال الشخصي المباشر مع الآخرين، فمن الصعب أن تعتبر المدرسة هي المصدر الوحيد في هذا الجانب (إمداد التلاميذ بالمعارف والمعلومات) فغيرها من المؤسسات الاجتماعية يمكن أن يشترك معها في هذه الصفة).

ويضيف قائلًا: (إن فترة المدرسة بالنسبة للتلاميذ هي فترة انتقال من عالم الأسرة إلى عالم الكبار، وفي عالم الأسرة تقدم العلاقات على الشعور والعواطف المتبادلة بين أفراد الأسرة، ولكن في عالم الكبار فإن العلاقات منظمة ورسمية وغير شخصية، تقوم على مستوى الأداء والكفاءة، والمدارس تنقل الصغار من العلاقات العاطفية والشخصية للأسرة وتعدهم في عالم الكبار) (المصدر السابق، ص 83 - 84 نقلًا عن: دراسات في أصول التربية، ص 199 - 202 بتصرفٍ، د. محمد قمير وآخرون).

إن أهمية المدرسة -أو المؤسسة التعليمية- والتي ينبني عليها خطورة دورها ترجع إلى:

1- إنها البيئة الاجتماعية التي تناسب كل فرد حسب سنه، فهو يلتقي مع أقرانه ورفاقه، ومِن خلال هذا الاحتكاك يمكن غرس القيم الخلقية ذات الطابع الاجتماعي في نفوس الدارسين، كالتعاون وأداء الواجب وتحمل المسئولية، والحرص على استثمار الوقت، وغير ذلك.

2- إنها البيئة الخصبة لاطلاع الدارسين على قيادات وقدوات حسنة تتمثل في أستاذتهم والقائمين على تربيتهم، وذلك من شأنه أن يكسبهم أخلاقًا كريمة، ويزودهم بالكثير من خبرات الحياة.

3- تزويد الدارسين بالمعارف والعلوم المتنوعة التي تناسِب قدراتهم وأعمارهم؛ مما يعينهم على النهوض بأنفسهم ومجتمعاتهم (راجع المصدر السابق، ص 81 -82).

إن المؤسسات التعليمية أصبحت في العصر الحاضر أكثر تأثيرًا من البيت والأبوين؛ نتيجة الضغوط الاقتصادية التي لا يخلو بيت منها، والذي معها يضطر الأب -بل والأم- إلى بذل المزيد مِن الجهد والوقت خارج البيت لتحصيل لقمة العيش أو تحسين دخل الأسرة أو سد احتياجاتها.

وكذلك فإن وسائل الإعلام والاتصال المختلفة سارت تشغل الآباء -بل والأمهات- عن أبنائهم، ومن هنا أصبحت المؤسسة التعليمية صاحبة التأثير الأكبر في تشكيل الأبناء وتربيتهم، فتكون نشأتهم بحسب نوعية التعليم والتربية التي يتلقونها فيها.

المدرسة في النظام الإسلامي:

المدرسة -أو المؤسسة التعليمية- في نظام التعليم الإسلامي لها دورها الكبير تعليميًّا وتربويًّا ودينيًّا، أي أنها تغطي إلى جانب التعليم والتثقيف جوانب أخرى، منها:

1- المحافظة على الالتزام داخل المؤسسة التعليمية، فيكون المدرسون والمدرسات قدوة لتلاميذهم، مع التزام المؤسسة بالفصل بين البنين والبنات بحيث يكون لكل نوع منهما مدرسة تخصه.

2- العمل على إعداد مكان مناسب للصلاة والوضوء، وتنظيم الأوقات لتتفق مع مواقيت الصلاة، ومبادرة الأساتذة لمشاركة تلاميذهم وطلابهم في القيام بهذه الفريضة.

3- العمل على تثقيف الطلاب وتعهدهم خارج إطار المنهج الدراسي، وذلك عن طريق التوجيه والإرشاد المستمر بواسطة الندوات والكلمات الصباحية والنشرات، ويتم اختيار الموضوعات وفق خطة منتظمة تستهدف تعميم الخير والترغيب فيه، واقتلاع الشر والترهيب منه.

4- إحياء الأنشطة الاجتماعية الطلابية من رحلات وكشافة وخلافه، مع توجهها بما ينمي في نفوس الدارسين الأخلاق الإسلامية، ويزرع فيما بينهم المودة والمحبة على أساس طاعة الله.

5- ربط المؤسسة التعليمية بالبيت، وذلك عن طريق الصلة الدائمة بأولياء الأمور، وحثهم على أن يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم (المصدر السابق، ص 84 - 85).