مصر والشام وعز الإسلام

  • 225

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

اقـرأ الـتـاريـخَ إذ فـيه العِـبَـر            ضل قومٌ ليس يدرون الخـبر

فواعجبًا لأمة لها تاريخ عريق مشرف تخاصمه ولا تستفيد منه، بل تعتبره ماضيًا قد زال، وقد نظرت في حال أمتنا الآن، وتفرقها وتكالب الأعداء عليها؛ فتذكرتُ يوم أن كانوا مجتمعين تحت راية الإسلام وبينهم مِن التعاون والترابط والنصرة الشيء الكثير.

وكيف كان قدر الصحابة رضوان الله عليهم وجهادهم ومفارقتهم لأوطانهم ليصل إلينا الإسلام، وتأملتُ جميلهم علينا، وقد أدوا ما عليهم وبقيَّ الذي علينا.

وقد تأملت في مصر والشام؛ فوجدتُ أن معظم الجيش الذي كان على يديه فتح مصر كان هو مَن قام بفتح بلاد الشام، بل إن القادة أنفسهم الذين فتحوا مصر كانوا قبلها من الفاتحين لبلاد الشام، وقد استوطن كثير مِن هؤلاء مصر بعد ذلك.

ولتتأمل أن مَن طرد الصليبيين مِن القدس: جيوش مصر والشام، وأن مَن قهر التتار: جيوش مصر والشام، وعندما يئس الأعداء في التفريق بين قوتيَّ مصر والشام؛ زرعوا دولة إسرائيل لتكون عائقًا بين اتحاد مصر والشام!

وها نحن نرى الآن ما حل ببلاد الشام ومصر قبل الإسلام؛ فقد كان الرومان في الشام ومصر يعدون البلاد وأهلها ملكًا لهم فتنتقل الأرض من مالك إلى آخر وفلاحوها معه، وكان بعض سكان البلاد يحاولون التقرب إلى الرومان بالصناعة أو التجارة، كما أن الحروب التي كانت بين الفرس والروم قد استنفدت قوى الجيش الروماني في المال وفي السلاح، وكذلك أهمل الروم صيانة حصونهم، وأبطلوا دفع الأموال التي كانت توزع على قبائل الحدود، كما قلَّ الانضباط داخل صفوف جيش الروم وكثر التمرد والفوضى.

كما عانت الدول الرومانية الشرقية قبيل ظهور الإسلام، وفي عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد استقر الملك زمنًا للقيصر هرقل الذي حضر عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه شقي بالفتن في أخريات حياته وركبته الوساوس في شيخوخته، ولاسيما بعد بنائه ببنت أخته، فاعتقد أنه مغضوب عليه مستحق لعقاب السماء!

أما في المدينة النبوية فبعد صلح الحديبية (6هـ - 628م): فقد راسل النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمراء والملوك لينشر دين الله -سبحانه وتعالى-، وكان مِن جملة مَن راسلهم شرحبيل بن عمرو الغساني، وحمل الرسالة الصحابي الجليل الحارث بن عمير الأزلي، لكن الغساني غدر به فقتله! والرسل لا تقتل، كما أن في قتل الرسول استهانة بمَن أرسله.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى جانب تبليغه الدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته كان قائدًا ماهرًا يقظًا، لا يغض الطرف عن أي مظهر عدواني قد يحط مِن شأن دعوته أو يعمل على النيل منها؛ فلم يقف صامتًا إزاء استشهاد رسوله الذي بعثه إلى أمير الغساسنة في بصرى، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيشًا إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة (8هـ - 629م)، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: (عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج وهم ثلاثة آلاف، وهناك عند مؤتة الواقعة على حدود البلقاء الشرقي مِن الطرف الجنوبي؛ التقى المسلمون بقوات الروم، ومهما تكن الخاتمة التي لقيتها غزوة مؤتة، فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى؛ لقد رأى الروم أن العرب الذين اعتادوا على شنِّ غارات سلبٍ ونهبٍ قد قدموا هذه المرة في جيشٍ منظمٍ، وقد جعلتْ هذه الغزوة المسلمين يتطلعون لفتح الشام.

ونكمل في المقال القادم -إن شاء الله-.