وقفات مع قصة أصحاب الكهف (7)

وقفة عقدية: إثبات كرامات الصالحين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمن عقيدة أهل السُّنة والجماعة: إثبات كرامات الصالحين.

والكرامة في ملخص كلام العلماء، هي: "أمر خارق للعادة غير مصحوب بدعوى النبوة، يجري على عبد صالح الاعتقاد، صالح العمل".

"فخارق للعادة" يعني: لا يوافق نواميس الحياة، وهذا ظاهر في قصة أصحاب الكهف.

"غير مصحوب بدعوى النبوة": أي أنه لو كان مصحوبًا بدعوى النبوة، فإن كان مدعيه صادقًا فهي المعجزة، وإن كان كاذبًا فهو دجال، وهي مِن خوارق الشياطين، وأما الجزء الأخير من التعريف، وهو أنها "تجري على عبد صحيح الاعتقاد، صالح العمل"؛ فيخرج بهذا ما يأتيه فاسد العقيدة، فاسد العمل: كالسحرة والكهان، والمشعوذين، وأصحاب البدع الخرافية، الذين يأتون بشيءٍ مِن هذه الخوارق في الظاهر: كابتلاع النار، أو المرور عليها، أو اللعب بالحيات، أو ابتلاعها، أو الطير في الهواء، أو المشيء على الماء، فهذه ليست كرامة.

- والكرامة تكون لعباد الله الصالحين تثبيتًا لهم، كما أن المعجزة تكون للنبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدى بها قومه، أو يثبِّت بها أتباعه، فهو يعرفها قبل أن تظهر؛ أما الصالح فتجري عليه الكرامة دون أن يعلم، ولا يعلم إلا بعد وقوعها، ثم إن الصالح غير مأمور أن يعلن هذه الكرامة، بل كثير مِن الكرامات تحدث لكثيرٍ مِن الصالحين ولم نعلم بها مِن عظيم صلاحهم؛ لأنهم يكتمون ذلك.

- والأمثلة على كرامات الصالحين كثيرة في الأمم السابقة، وفي أمة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن الأمثلة في الأمم السابقة: ما كان مِن كرامة مريم -عليها السلام- التي انقطعت للعبادة في بيت المقدس، فكان يأتيها الطعام والشراب من جميع الألوان، وهي لا تدري، لكنها تعلم أن ذلك من عند الله -عز وجل-، قال -تعالى-: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (آل عمران:37)، وكذلك هاجر أم إسماعيل -عليهما السلام-، فقد أجرى الله -سبحانه وتعالى- عليها من كراماته الكثير، والتي مِن أعظمها: تفجير بئر زمزم؛ هذا البئر الذى خرج في أرض صحراء جرداء لا حياة فيها، ولا ماء.

- وأما الأمثلة في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فهي كثيرة، ومَن شاء الاستزادة فليرجع إلى رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"؛ فقد ذكر فيها صورًا كثيرة، ومنها: ما كان مِن حال الصحابي الجليل عمران بن حصين -رضي الله عنه- فقد كانت الملائكة تنزل تسلم عليه وهو في مرضه؛ وذلك لأنه قد أشتد عليه المرض وطال حتى تقرح ظهره، فكانت الملائكة تنزل تسلم عليه مواساة له.

وهذا أسيد بن حضير -رضي الله عنه- صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما وقف يصلي صلاة الليل نزلت الملائكة تظلله بظلة، فلما أصبح أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ) (متفق عليه)، وهذا أنس بن النضر -رضى الله عنه- يوم أُحد يجد ريح الجنة قبل أن يدخلها، فينطلق في المعركة ساعة الثغرة، وهو يقول: "إنِّي أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ" (رواه البخاري).

وهذا خبيب بن عدي -رضي الله عنه وأرضاه- كان أسيرًا عند المشركين في مكة، وكان يؤتى بالعنب يأكل منه، ولم يكن في مكة عنبة واحدة، وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقف على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة فيريه الله -عز وجل- أحداث معركة تدور في الشام، فجعل عمر ينظر ويقول: "يا سارية -قائد المسلمين- الجبل، يا سارية الجبل"، أي: يا سارية الزم الجبل بالجيش، فلما رجع جيش المسلمين، أخبر سارية القائد أنه سمع صوت عمر -رضي الله عنه-!

- فمظاهر الكرامات في الأمة كثيرة، ولا تزال -والحمد لله-، وإن قلَّت في المتأخرين، ولكن الكرامة ثابتة وموجودة في الأمة الى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، جعلها الله -عز وجل- للصالحين من عباده تثبيتًا لهم، وكذلك تأييدًا لمنهجهم.

- وهكذا أجرى الله -عز وجل- مِن الكرامة على الفتية أصحاب الكهف الكثير تثبيتًا لهم، وتأييدًا لمنهجهم وعقيدتهم.

وللحديث بقية في وقفاتٍ قادمةٍ -إن شاء الله-.