الفساد (62) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (4-4)

  • 115

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد أن بيَّن د. طلعت عفيفي -وهو وزير سابق للأوقاف المصرية، ورئيس سابق أيضًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية- معالم التعليم في النظام الإسلامي في كتابه القيم: (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام)، عمد في الفصل الثالث والأخير من الكتاب إلى تقديم رؤية نقدية من منظور إسلامي -ومن الوجهة الموضوعية أيضًا- للوضع القائم للتعليم في البلاد الإسلامية عامة وفي مصر خاصة، وهي رؤية تبيِّن بجلاء كيف أن التعليم وفقًا للرؤية الإسلامية للعلم والتعليم صار غريبًا كغربة الإسلام، بل إن (مِن أبرز المجالات التي تظهر فيها هذه الغربة) -يعني: غربة الإسلام- (ويتجلى فيها الابتعاد عن منهج الإسلام في واقعنا: هو مجال التعليم) (المصدر السابق - ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة - 1433 هـ - 2012 م، 89).
ومما ذكره مِن مظاهر ابتعاد واقع التعليم عن الإسلام:
1- أن صار التعليم من أجل الدنيا فقط:
قال د. طلعت عفيفي: (لقد بات التعليم في حسِّ الأستاذ والطالب على السواء، وسيلة يُستعان بها على تحصيل الكسب، وخرج عن كونه رسالة، وبدلًا من أن يدل الناس على الله أضعفَ إيمانهم، وشجعهم على الجهر بمعصية خالقهم، والتمرد على شريعته، وسُخرت كثير من نتائج العلم لتحطيم البشرية بدلًا من نفعها. ولم ينشأ هذا الوضع المأساوي من فراغ؛ وإنما بسبب تخلي المسلمين عن التمسك بما تمليه عليهم شريعة ربهم من تطويع التعليم لتحقيق الصلة بدينهم واعتمادهم الكلي على مناهج وأساليب غير المسلمين في التعليم من حيث أسلوب التعليم وأسماء الشهادات وسنوات الدراسة، والحياة داخل المؤسسة التعليمية وضروب الثقافة التي يتلقونها، إلخ، وقد كانت النتيجة لذلك كله أن نشأت أجيال لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، واستخدم العلم لأغراضٍ أبعد ما تكون عن الإسلام كما بينا منذ فليل).
ويضيف: (ساعد على لجوء المسلمين إلى غير المسلمين واستيرادهم لمناهجهم في التعليم وغيره، ما أصاب المسلمين في الفترات الأخيرة من تخلفٍ حضاريٍ في حين قفزت الحضارة الغربية قفزات هائلة في مجالات العلوم والتكنولوجيا فدفع ذلك كثيرًا مِن المثقفين إلى إعلان إعجابهم بتلك الحضارة ودعوتهم إلى استيراد كل ما فيها دون تمييز بين ما هو طيب وما هو خبيث، وقد ترتب على ذلك أن أضاع المسلمون دينهم بالتخلي عنه، وضاعت معهم دنياهم فبقوا كما هم متخلفين).
وقال: (اكتساب الإنسان ما يقوم به معيشته من خلال شغله بالتعليم ليس عيبًا في ذاته، ولكن قصر التربية عليه يضيق من آفاقها ويحول بين الإنسان وبين الرقي الخلقي والحضاري، ويجعله عبدًا لشهواته وغرائزه، في حين أن المرء إذا احتسب عمله لوجه الله نال عليه الثواب من الله، وحصل عليه الأجر الدنيوي دون نقصان) (المصدر السابق، ص 89 - 90).
2- ضعف الاهتمام باللغة العربية وعلومها:
قال د. طلعت عفيفي: (يشير الأدباء والنقاد إلى أن اهتمام الشعوب بلغاتها دليل على رقيها وحضارتها، وإهمالها دليل على انحطاطها وذلتها. قال مصطفى صادق الرافعي: (ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار) ويضيف قائلًا: (وليس في العالم أمة عزيزة الجانب تقدِّم لغة غيرها على لغة نفسها).
ويؤكد الرافعي على أن الخطوة الأولى نحو استعمار الشعوب وقطعها من جذورها الأولى إنما يكون عن طريق إبعادهم عن لغتهم، فيقول: (لا جرم أن كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا مِن لغته؛ إذ يكون منشأ التحول مِن أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع مِن نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر) (راجع: "من وحي القلم" للرافعي، ط. المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة ط. السادسة - ص: 36، 38).
وقال د. طلعت عفيفي: (فإذا جئنا إلى اللغة العربية -لغة القرآن والإسلام- رأينا الدول الإسلامية غير الناطقة بها لا تعطيها أدنى قدرٍ مِن الاهتمام في مناهجها أو مدارسها، وفي البلاد الإسلامية الناطقة بالعربية قلَّ مَن يستطيع أن يتحدث بالفصحى دون خطأ أو لحن، فالمناهج دون المستوى المؤهل لذلك، ويشيع على الألسنة أن اللغة العربية معقدة وصعبة! ومدرس اللغة العربية لا ينال من الاحترام ما يناله غيره.
وبقدر ما تحتقر اللغة العربية في بلادها، تسمو اللغات الأجنبية وتعلو وترتفع الأصوات منادية بضرورة تعلمها باعتبارها لغة الحضارة، ويتم توفير كل السبل المعينة على تحقيق ذلك، فالمعاهد المتخصصة في تعليم اللغات الأجنبية تمتد في طول البلاد وعرضها، والوسائل السمعية والمقروءة والمرئية لنشر هذه اللغات تباع بأبخس الأثمان، إلخ، ويتم ذلك كله على حساب اللغة العربية التي يزداد نفور الطلاب منها ومِن كل ما يمت لها بصلة، في حين يحبون اللغات الأجنبية ويزداد تعلقهم بها!
وفي مجال الأدب:فتح المجال على مصراعيه للأدب الحديث، والذي يقل جزالة وروعة وفخامة أسلوب عن الأدب القديم، وفي ذلك ما فيه من بتر الأمة عن جذورها وإضعاف لغة المعاصرين، وفي الوقت ذاته تعالت أصوات تنادي بفصل الأدب عن الدِّين والأخلاق، وتسربت هذه الأفكار المسمومة إلى مناهج الدراسة، فغدا بعضها حربًا على الأخلاق، ودعوة إلى التحلل وعدم الالتزام) (راجع المصدر السابق، ص 91 - 93).
3- تشويه دراسة التاريخ:
قال د. طلعت عفيفي: (على الرغم من أهمية تلك الدراسات -يعني الدراسات التاريخية- في بيان سنن الله في خلقه وما يمكن أن تحدثه من تغيير في النفوس عندما تعرض عليها بأسلوب تربوي خلقي، نجد هذه المادة قد عبثت فيها الأيدي بما جعلها أداة هدم لا أداة بناء، ففي هذه المادة يتم التركيز على إحياء التاريخ القديم السابق على الإسلام كتاريخ الفراعنة والآشوريين والكنعانيين والفينيقيين وغيرهم بصورة براقة تغري بمعرفتها وتعمل على نشرها وإذاعتها، مما يجعل المسلم مذبذبًا بين دينه وبين تلك الحضارات.
قال أحد المستشرقين: (إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات) (من "واقعنا المعاصر" محمد قطب - مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر - جدة - ط. أولى 1986 م، ص 202).
وإذا لزم الأمر وتم تدريس التاريخ الإسلامي فإنه يعرض كمرحلة من مراحل الصراع على الملك، كما هو الحال في عرض تاريخ الأمويين والعباسيين، أو كمرحلة من مراحل الاحتلال والتسلط على الغير كما يفعلون مع الدولة العثمانية، وتختفي في هذه الدراسة إسهامات المسلمين في الرقي البشري وما قدموه للإنسانية في سبيل انتشالها من جاهليتها وتخلفها.
وكذلك تغفل هذه الدراسة الحركات الإسلامية الناهضة في العالم الإسلامي والتي تصدت للاستعمار، وحافظت على هوية الشعوب المسلمة، وذلك كالسنوسية في المغرب العربي، والسنورسية في تركيا، وغيرهما من الحركات التي عمت العالم الإسلامي بأسره.
في حين تعرض هذه الدراسة باعتبار عصر النهضة يبدأ بحملة نابليون بونابرت على مصر، وفي ذلك ما فيه من إيحاء بأن الأوربيين هم رسل الحضارة، وأن مدنية الغرب هي أرقى شيء جاء أو يمكن أن يجيء إلى هذا العالم، في حين لا يشار -من قريب أو من بعيد- إلى ما اقترفته أيديهم من سفكٍ للدماء واستباحة للأعراض، واستعمار للشعوب واستنزاف لخيراتها) (المصدر السابق، ص 93 - 94).
4- تدريس ما يتعارض مع الإسلام في العلوم:
قال د. طلعت عفيفي: (رغم حياد هذه المواد -يعني المواد العلمية- وعدم انطباعها بشخصية مخترعيها كعلم الطب والأحياء والكيمياء والفيزياء، وغير ذلك؛ إلا أن هذه المواد يمكن من خلال عرضها تعميق الإيمان بالله أو العكس.
ومن خلال المناهج التي يدرسها الطلاب لا نرى أثرًا لربط هذه المواد بما يعمق في نفوس الدارسين الإيمان بالله الخالق، ولكن على العكس من ذلك نرى النظريات العلمية المتعارضة مع مبادئ الإسلام: كنظرية دارون في النشوء والارتقاء يدرسها الطلاب على أنها حقيقة علمية، ولا يصحبها ما ينقضها أو يرد عليها من مبادئ الإسلام، بل إن مَن يبادر مِن المدرسين من تلقاء نفسه بنقض هذه النظرية يوضع في القائمة السوداء!
وتلمع في هذه المجالات الأسماء الغربية: كنيوتن، وأرشميدس، وجاليليو، وغيرهم، ولا يذكر أي عالم من علماء المسلمين الأوائل في هذه المجالات رغم كثرتهم، وكأن المسلمين عالة في هذه العلوم على غيرهم، ولا توجد لهم أية إسهامات فيها، وفي الوقت ذاته تتسرب خلال المادة المعروضة ألفاظ تشجع على الإلحاد: كالطبيعة خَلقتْ، والصدفة أَوجدت، والمادة لا تَفنى؛ إلى جانب ذلك يتم تفسير الظواهر الكونية كالزلازل والبراكين ونحوها بتفسيرات مادية بحتة) (المصدر السابق، ص 95).
5- صبغ العلوم الإنسانية بوجهات النظر الغربية:
قال د. طلعت عفيفي:(كانت هذه العلوم وهي علم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع مِن أبرز المجالات التي وضح فيها التأثر بوجهة النظر الغربية، فقد تبنت المدارس والجامعات نظرية فرويد في علم النفس، والتي تدعو إلى التحلل الجنسي، وترجع كل شيء إلى التفسيرات الجنسية، كما تبنت نظرية دوركايم في علم الاجتماع، والتي تزعم أن الأديان والأخلاق والقيم هي مِن صنع المجتمع، كما تبنت آراء نيتشة الزاعمة بأن الإله من اختراع البشر ليغطوا ما لديهم من ضعف، وأنه لا بد للمؤمنين بالحس الأرضي من أن يهووا بمعاولهم على تلك الفكرة، إلى غير ذلك من الأفكار والمذاهب التي غزت مناهج الدراسة دون أن يصحبها ما يبين خطأها، بل تعرض وكأنها حقائق علمية لا يتطرق إليها الشك، ولا يعتريها الخطأ) (المصدر السابق، ص 96).
6- تدريس ما يتعارض مع الإسلام:
قال د. طلعت عفيفي:(دراسة القانون طغى عليها القانون الوضعي، وأعطيت زاوية ضيقة للشريعة لا تتجاوز الأحوال الشخصية، ودراسة الاقتصاد خضعت للعقلية الأوروبية الربوية، وغابت عنها وجهة النظر الإسلامية. ودراسة السياسة والإعلام كالاقتصاد لا أثر للإسلام في مناهجها أو أقسامها، وإلى جانب ذلك خصصت معاهد أو كليات لتدريس الموسيقى والتمثيل والنحت، وغير ذلك مما يتنافى مع مبادئ الإسلام وتعاليمه؛ ناهيك عن الاختلاط بين الشباب والشابات، وتنافس الفتيات على إبراز مفاتنهن؛ مما يشجع على انتشار الرذيلة، وقتل الحياء في نفوس البنين والبنات على السواء) (المصدر السابق، ص 98 - 99).
7- إضعاف التربية الإسلامية:
قال د. طلعت عفيفي: (يعد تدريس هذه المادة في العالم الإسلامي مجرد تسديد خانات، فمناهجها لا تؤهل طالبًا لقراءة القرآن قراءة صحيحة، فضلًا عن أن تصنع منه إنسانًا يختلط الإسلام بلحمه ودمه؛ هذا إن كانت ضمن المناهج أصلًا، وإلا فمما يؤسف له أن السيطرة الاستعمارية قد بلغت مداها في بلدان إسلامية ذات أغلبية مسلمة كاسحة، حيث لا يسمح فيها بتدريس التربية الإسلامية وذلك مثل: جيبوتي، وجزر القمر.
ولم تسلم هذه المادة -إذا سمح بتدريسها- مِن عبث الأيدي بها في ظل السيطرة اليهودية على العالم، فحذفت الموضوعات التي تمسهم مسًّا مباشرًا في القرآن أو في السيرة؛ حفاظًا على مشاعرهم، وكذلك حذف ما يشير إلى الجهاد أو البطولات الإسلامية التاريخية، فإذا أضفنا إلى ذلك أن درجات هذه المادة لا تضاف إلى المجموع، وأن حصصها تقبع في آخر اليوم الدراسي، وغالبًا ما يتم استبدالها بحصص أخرى يرى الطلاب أنها أجدى وأنفع لهم... إذا لاحظنا ذلك أدركنا إلى أي مدى نسيء إلى التربية الإسلامية، ونعطل رسالتها!).
ويضيف قائلًا:(مما يذكر أنه في الوقت الذي نحاول فيه نحن أن نهمش مادة الدين ونضعف أثرها في ذاته، وفي مد ظلالها على سائر المواد، بدأ الباحثون في الغرب يدركون أهمية تخلل الدين وتعاليمه في شتى المناهج عندما نظروا فوجدوا أن العلوم البحتة والنظريات المجردة التي تخاطب العقل لا يمكنها تحريك الوجدان أو الضمير، بينما يخاطب الدين فطرة الإنسان، ويربط توجهاته بسلوك عملي تطبيقي يظهر على أرض الواقع، وفي هذا يقول أحد علماء التربية المرموقين وهو (جيمس دوس): (إن الدين شيء يؤثر قبل كل شيء في الشعور والإرادة، وفي الوجدان والنزوع).
وبيَّن أن مادة التربية الدينية يجب أن تكون صبغة المواد التعليمية كلها، فقال: (إن من السخرية حقًّا أن نضع في الجدول الدراسي مادة اسمها الدين، ثم نغمض أعيننا في اطمئنان، ونروح في سبات عميق كأننا قد أدينا مهمتنا! لا ينبغي أن نقنع بأن يكون الدين مادة إلى جانب المواد الأخرى، بل أن يكون روحًا فياضة في قوة وتوثب، يطبع المنهج كله والحياة المدرسية والعمل المدرسي بجميع جوانبه ومجالاته، بحيث تتهيأ الفرص الطبيعية المواتية لتلاميذه حتى يشبوا وهم يقدمون خضوعهم وولاءهم لله من تلقاء أنفسهم، وعن طيب خاطر) (انتهى).
وفي أمريكا قررت لجنة السياسات التعليمية وجوب تخلل القيم الخلقية والدينية جميع جوانب المنهج، وإدخالها في الحياة الكلية للمدرسة كجزءٍ حيوي من أجزاء البرنامج الدراسي كله، وفي خطوة عملية تطبيقية في الولايات المتحدة لهذه الآراء نجد (جيمس كونانت) رئيس جامعة هارفارد 1978 م - 1983م يلج بوابة التربية من عالم الكيمياء مجال تخصصه الدقيق ليترك -منطلقًا من تخصصه الكيميائي- مشاريع تربوية علمية تبنتها الحكومة الأمريكية) (راجع المصدر السابق، ص 96 - 98).
(للاستزادة راجع: نظرة في مناهج التربية الإسلامية بالتعليم العام، د. محمود كامل الناقد -بحث مقدم إلى ندوة أسس التربية الإسلامية بمكة المكرمة عام 1400 هـ - 1980 م، ومقال: الجامعة في مجهر القراءة المعاصرة، د. مصطفى السيد - مجلة البيان - العدد 40 - ذو الحجة عام 1411 هـ - 1991 م، ص 54).
وختم د. طلعت عفيفي رؤيته تلك للتعليم في بلاد العالم الإسلامي عامة ومصر خاصة بقوله: (وقد ترتب على تلقي المسلمين للعلوم على هذه الطريقة جملة من السلبيات، نلخصها فيما يلي:
1- الجهل المطبق بتعاليم الإسلام، وإعادة تشكيل العقول المسلمة وفق مبادئ الغرب وقيمه.
2- فقدان المسلم الولاء لدينه وأمته.
3- زعزعة الوحدة بين المسلمين في مظهر مهم من مظاهرها وهو الفكر) (المصدر السابق، ص 99).
وقد رصد ذلك وعبر عنه في كلماته -ومن سنوات طويلة- العديد من الباحثين المسلمين وغيرهم، تأكيدًا على ذلك وإشارة إليه، ومن ذلك: قول العلامة أبي الحسن الندوي -رحمه الله- في كتابه: (نحو التربية الإسلامية في الحكومات والبلاد الإسلامية) ط. مؤسسة الرسالة -بيروت- حيث قال: (... فكان غاية ذلك بعد مدة قليلة فوضى فكرية هائلة واضطراب، وتناقض في الأفكار والآراء، وشك وارتياب في الدين واستخفاف بفرائضه وواجباته، وثورة على الآداب والأخلاق، وضعف وانحطاط في الأخلاق والسيرة، وتقليد للأجانب في القشور والظواهر، وتبذير للأموال، إلى غير ذلك، مما أصبح به هذا الجيل كلًّا على الآباء وعلى الأمة، وجرثومة الفساد في جسمها، ونقطة الضعف في مركزها، وذلك شيء طبيعي لا يستغرب وجوده، وإنما يستغرب عكسه، والشجرة لا تلام على ثمرتها) (المصدر المذكور، ص 9 - 10 بتصرف يسير).
وقال أبو الفتوح رضوان في مقال له بعنوان: (فلسفة الجماعة وسلوك الأفراد) بمجلة مرآة العلوم الاجتماعية العدد الخاص بالتربية العربية في يونيو 1958 م ص 157: (إن المواطن العربي الذي تعلم في المدرسة يعرف عن روسو أكثر مما يعرف عن ابن خلدون، وجيبون وماكولي أكثر من الطبري وابن الأثير، وعن نابليون بونابرت أكثر من ابن الهيثم، وعن ماجلان أكثر من الإدريسي، فمن أين يأتي شعوره بدينه وولاؤه له وإيمانه به؟!).
بينما يشير المستشرق (هاملتون جب) إلى أثر التعليم المعاصر في زعزعة الوحدة الفكرية بين المسلمين بقوله: (إن أولى النتائج التي نجمت عن الغزو الفكري أنه زعزع فكرة أن العالم الإسلامي وحدة ثقافية واحدة، وتسيطر عليه تقاليد واحدة؛ حقًّا لقد بقيت رابطة العطف والماضي المشترك، والعقيدة المشتركة، ولكن امتزاج الأفكار المأخوذة من الغرب بدرجاتٍ متفاوتةٍ كان قد بدأ ينزع إلى كل مملكة من الممالك الإسلامية).
وعلَّق د. طلعت عفيفي على ذلك يقوله: (والخلاصة: أن التعليم المعاصِر أفسد البناء الذاتي والاجتماعي للمسلمين، فعميت أبصارهم عن محاسن دينهم، وتخيلوا مركب الإنقاذ بيد الغرب، فألقوا إليه بثقلهم وولوا وجوهم شطره، فضاعت كرامتهم، وسقطت هيبتهم وتفرَّق جمعهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام، ص: 101).
وختم د. طلعت عفيفي كتابه بقوله: (وبعد: فقد استهدفت هذه الدراسة التأكيد على الدور المهم الذي يؤديه التعليم في صناعة الأمم، وتشكيل عقلية الأفراد. وقد وضح لنا أن الإسلام لم يكن بمعزل عن هذا المجال المهم، فكانت توجيهاته التي تجعل مِن العلم أداة لنفع البشرية في حاضرها ومستقبلها، لكن المسلمين في إطار التخلف الذي شمل كافة أرجاء حياتهم تخلوا عن منهاج ربهم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأخذوا مناهج التعليم الغربي على حساب المنهاج الإسلامي، فلم يزدهم ذلك إلا مزيد من التخلف والرجعية. وفي إطار المحاولة للنهوض بالشعوب المسلمة لاستعادة ما كانت عليه من عزٍّ ومجدٍ، يبقى إصلاح التعليم على الأسس الإسلامية هو المفتاح والخطوة الأولى الصحيحة على الطريق.
ولتحقيق هذا الأمل، تبقى الأمانة في عنق الساسة وولاة الأمر لاتخاذ القرارات اللازمة لإصلاح ما في التعليم الحالي من اعوجاج، ويليهم في المسئولية مَن يتصدون للعملية التعليمية من خبراء ومفتشين ومدرسين وغيرهم؛ لإعادة صياغة المناهج بما يحفظ للأمة عقيدتها ويصون شريعتها.
وعلى سائر القطاعات أن تتحمل دورها هي الأخرى في إنقاذ الأجيال من الضياع، فمع المدرسة يأتي دور الأسرة، ووسائل الإعلام المختلفة، والأنشطة الاجتماعية، وغير ذلك، بحيث لا يهدم قطاع منها ما يبنيه الآخر).