إن الله اصطفى لكم الدين

  • 199

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال -سبحانه وبحمده-: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة:130-132).

فقد قصَّ -سبحانه وبحمده- ما كان من جميل خلال ومحاسن خليله إبراهيم -عليه السلام-، وأبرز كمال ما كان عليه من الملة الحنيفية السمحة، وهي الإسلام كما قال -سبحانه وبحمده-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67).   

وأوضح -سبحانه- أنه لا يعرض عن هذه الملة، وهذا الدين القويم الذي لا يقبل غيره عند الله، وهو دين الأنبياء جميعًا كما قال -سبحانه وبحمده-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) (آل عمران:١٩).

وقال أيضًا: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، فلا يعرض عنه ويزهد فيه إلا  مَن سفه نفسه؛ أي: بسبب سفهه وجهله أوقع نفسه في هذا السفه لجهله بما ينفعها وما يضرها، وأي ضرر أعظم من هذا وهو الإعراض عن هذه الملة الحنيفية، وأخبر -سبحانه- أنه اصطفاه في الدنيا وكرمه؛ فهو أشرف الرسل بعد نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو خليل الرحمن، وغير ذلك من الفضائل، وأنه في الآخرة في أعلى المقامات والمنازل التي أعدها الله -سبحانه وبحمده- لعباده الصالحين، وذكر -سبحانه- ما كان مِن عظيم تسليمه، وسرعة استجابته وخضوعه لربه -سبحانه وبحمده- كما قال -سبحانه وبحمده-: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة:١٣١).

وفي ذكر الله -سبحانه وبحمده- بقوله: (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إشارة إلى أنه الذي يربيني وجميع الخلق بنعمه وآلائه، وجميل تدبيره، فمَن أحق منه بأن يعبد ويخضع، ويستسلم له سبحانه وبحمده العزيز الرحيم؟!

ثم ذكر -سبحانه وبحمده- ما كان مِن علم إبراهيم بقدر هذه النعمة وهي إسلامه وخضوعه لرب العالمين، وأنه وصَّى أبناءه وعهد إليهم أن يتمسكوا بها، وكذا وصى حفيده يعقوب -عليه السلام- أيضًا هذه الوصية، فالأنبياء أحرص الناس على الخير للناس جميعًا، ونفعهم في دنياهم ومعادهم، وأي شيء أعظم وأجل وأكمل وصية من هذا الدين الذي به تحصل السعادة والهداية والخير في الدنيا والآخرة، ويحصل لمن أعرض عنه نقيض ذلك كله من الشقاوة والتخبط والانغماس في ظلمات بعضها فوق بعض، كما قال -سبحانه وبحمده-: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه:123)، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:124).

والشاهد أنهما أي: إبراهيم ويعقوب -عليهما السلام- وصيا أبناءهما بهذه الوصية، وقدما بين يديها كلمة تبرز كل معاني الشفقة والرحمة والحرص من الموصي بقولهما: (يَا بَنِيَّ) ليكون ذلك أبلغ لقبول النصيحة والوصية، وما أحوجنا جميعًا إلى الرحمة والرفق واللين في النصح والتوجيه لتأليف قلوب من ندعوهم واجتذابها نحو الحق بدلًا من الشدة والغلظة التي لا تثمر في الغالب إلا نفورًا وإعراضًا، وأتبعا -عليهما السلام- بعد ندائهما بالبنوة قولهما: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) أي: إن الذي اختاركم وفضلكم بهذا الدين هو الله العليم الحكيم، المنان الرحيم، وما أجملها من مقدمة؛ فلو قيل -ولله المثل الأعلى-: إن الذي اختار هذا الثوب أو هذا الكتاب أو غير ذلك هو العالم أو الشيخ أو الرئيس الفلاني؛ لكان ذلك أدعى للإقبال والتمسك بهذا الشيء؛ فكيف ومَن اختار هذا الدِّين القويم هو الله -سبحانه وبحمده- العزيز الحكيم؟! فلا شك أنه أولى بالتمسك به.

ثم أكدا هذا الاجتباء والاصطفاء بقوله: (لَكُمُ) ليبرزا لهم خصوصية هذا الاصطفاء ليكون ذلك أدعى في التمسك به ثم عطفا بعد ذلك بالوصية العظيمة بعد ما ذكر لهم من شرف هذا الدين القويم الذي ارتضاه الله -تعالى- ومَنَّ به عليهم، أن النتيجة والغاية الأسمى: أن لا تفرِّطوا في هذه النعمة والمنة وداوموا عليها وتمسكوا بها حتى تموتوا عليها؛ فإن مَن عاش على شيء مات عليه -بإذن الله الشكور المنان-، بل حتى عند قرب أجله، لم يترك يعقوب -عليه السلام- الإيصاء بهذا، وأراد أن يطمئن على أبنائه بعده كما قال -سبحانه وبحمده-: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:133).

فأجابه أبناؤه بما يقر به عينه من المداومة على عبادة اللّه -سبحانه وبحمده- ولزوم دينه، ولو تأملتَ؛ لوجدت أحد أبناء يعقوب الذي تشرب هذه الوصية العظيمة والتي هي أجل وأدوم النعم، أن يموت العبد على الإسلام كما قال يوسف بن يعقوب الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم عليه السلام سائلًا ربه أن يديم عليه نعمة التمسك بهذا الدين حتى يتوفاه الله -سبحانه وبحمده- عليه، (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101)، وكذا كان مِن دعائه مثل ذلك -صلى الله عليه وسلم-.

وفي الحقيقة هذه النعمة والمنة التي تستمر بها العلاقة والألفة، والأنس والاجتماع بين الأحباب والأبناء بعد موتهم في نعيم مقيم كما قال -سبحانه وبحمده-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور:21).  

وأما غير ذلك، أي: موت الأب أو الابن أو كليهما على الكفر؛ فبه تنقطع جميع الأواصر والالتقاء، ويخسر بعضهم بعضًا كما قال -سبحانه وبحمده-: (وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ) (الشورى:45).

فاللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا.