مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (35) آيات من القرآن في ذم القسوة (13)

  • 124

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى- في سورة الحج: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) (الحج:52-55).

قد تبيَّن لك بما نقلنا فيما سبق من أقوال العلماء المحققين بطلان إسناد قصة الغرانيق واستحالتها شرعًا؛ لمخالفة روايتها الضعيفة المنكرة لصريح القرآن في قوله -تعالى-: (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:73-75)، فالآية نص أن الله ثبَّت رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلم يركن إليهم، وهم لم يتخذوه خليلًا، وأن المشركين والشياطين لم يتمكنوا من فتنته بعد أن كادوا، فهو -صلى الله عليه وسلم- لم يفترِ قط على الله ما لم يقله، ولم يذقه الله ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات؛ بل نصره الله في الدنيا والآخرة، ويبعثه يوم القيامة مقامًا محمودًا يغبطه عليه الأولون والآخرون.

 فبالقطع لم يفترِ على الله غير ما أوحى إليه؛ فضلًا عما ينافيه ويبطله ويثبت الشرك الذي بُعث من أول بعثته إلى وفاته -صلى الله عليه وسلم- في إبطاله.

 وأيضًا قال -تعالى-: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة:44-47)، فلم يأخذه الله بالعقوبة بيمينه، ولم يقطع الله -تعالى- منه الوتين؛ وهو حبل الرقبة الذي لو قطع لمات الإنسان من ساعته؛ فتبين أنه لم يقل على الله أي أقاويل من عنده عليه الصلاة والسلام.

 أما جواب سؤال: كيف نقل طوائف مِن العلماء مِن أهل السُّنة هذه القصة؟

فنقول: مَن نقلها مع بيان الأسانيد المنكرة فقد بيَّن بطلانها، أما الأسانيد المحتملة ففيها بيان أن هذا مِن إلقاء الشيطان في أسماع المشركين أثناء قراءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الآيات، ولم يقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا مما سمع المشركون، وليس في هذا ما يخالف شيئًا من القرآن؛ بل فيه فوائد عظيمة نعلم بها خطورة قسوة القلب ومرضه.

 فالشيطان يلقي في القلوب القاسية المريضة شُبهًا وضلالات تتعلق بالآيات؛ بل تخالف نصها وسياقها، ونص غيرها من آيات القرآن.

 والقلوب الحية ترفض ذلك فورًا وتأباه، وترد الشبهة بنصوص الوحي المنزل، وأما القلوب القاسية والمريضة فتقبله وتنشره، وتذيعه في الناس وتفتن به، وتزداد به مرضًا إلى مرضها؛ لشدة اتباعهم لأهوائهم التي تصوِّر لهم بتزيين الشيطان لهم ذلك أن يوافقهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- والوحي المنزل عليه، على باطلهم وكفرهم.

وقد يصل الأمر أحيانًا -من شدة تركيز فكرهم وخواطرهم في الباطل- أن يتخيلوا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال ما يهوونه، ونطق ما يوافقهم من الكفر والشرك.

ويصيبهم الشيطان بالغفلة عن الآيات التي تلي ما ألقاه الشيطان في أسماعهم، والتي  تنسخ وتزيل وتبطل ما ألقاه الشيطان، وما اعتقدوه وما توهموه في قراءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثل آيات سورة النجم، قال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى .أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى . أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى . إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى . وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم:19-28).

فكلها نصوص قاطعة في ذم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وإنكار شفاعتهم، وأنها مجرد ظنون الكفار، واتباعهم لأهوائهم؛ خلاف الهدى الذي جاءهم من ربهم على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأن الملائكة التي زعموا أن أصنامهم صورهم، وأنها بنات الله لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن شاء ويرضى، وهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى من أهل التوحيد، وأسعد الناس بالشفاعة: مَن قال: "لا إله إلا الله" خالصًا من قلبه، وأما المشركون فما تنفعهم شفاعة الشافعين، ثم الملائكة ليسوا إناثًا؛ وإنما هذا مِن كفرهم وكذبهم على الله.

فكيف تقبل القلوب والعقول بعد كل هذا أن يكون في وسط هذه الآيات: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى؟!

فما قبلها وما بعدها في بطلان ذلك، وأول السورة في بطلان أن يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الله غير الوحي: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4)؛ لا يقبل مثل هذه الكلمات الشيطانية إلا أصحاب القلوب القاسية والمريضة، المليئة بالشبهات والأهواء.

ولا يزال الشيطان يلقي في القلوب القاسية والمريضة نحو هذه الشبهات التي تناقض القرآن، وتجد مَن يقبلها ويفتن بها، ويؤفك بها مَن أُفِك رغم الوضوح الشديد لمخالفتها الوحي.

فلقد كانت الأمم المتقدمة يلقي الشيطان فيما قرأه الأنبياء وكَتَب أتباعُهم من الكتاب المقدس المنزل في وسط الكتابة كتاباتٍ باطلة؛ يكتبها أولياؤه من علماء السوء وأحبار السوء؛ الذين بدلًا من حفظ كتاب الله الذي استحفظوه، وكانوا عليه شهداء؛ كتبوا بأيديهم كفرًا ليس من كتاب الله، (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة:79).

وكانوا يلوون ألسنتهم بالباطل لِيُظَن أنه مِن الكتاب، قال الله -تعالى-: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:78)؛ نحو ما ينقلونه من اتخاذ الله الولد والصاحبة، وألوهية غير الله وتكذيب الرسل؛ خاصة خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، ونسبة النقائص إلى الله -تعالى- كالفقر: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) (آل عمران:181)، والبخل وغل اليدين: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) (المائدة:64)، والتعب واللغوب: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) (ق:38)، والاستراحة من التعب بعد خلق السماوات والأرض في ستة أيام، والمصارعة مع بعض خلقه، وأن هذا الخلق يغلبه ويصرعه، ولا يتركه يذهب حتى يُنعم عليه بالألقاب، والمرض والرمد، والبكاء والندم، والحزن والصراخ، والموت والصلب، والإذلال والإهانة، والاستغاثة بغيره، وأن يجرده أعداؤه من ثيابه حتى يصلبوه عاريًا كما ولدته أمه بين لصين، وأن يضعوا الشوك على رقبته، وأن يصرخ بصوتٍ عظيمٍ، ثم يُسلِم الروح؛ تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.

وكذلك نسبة الفواحش وزنا المحارم للأنبياء، كما نسبوا ذلك إلى لوط وإلى داود -عليهما السلام-، وكما نسبوا إلى سليمان -عليه السلام- الشرك والسحر، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، وغير ذلك مما ألقاه الشيطان في كتبهم.

أما كتابنا "القرآن العظيم": فكما عصم الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- من قراءة شيء ليس منه أثناء تلاوته، وأن يتقول على الله بعض الأقاويل، أو أن يركن إلى الكفرة فيوافقهم؛ فكذلك عصم الله الكتاب المكتوب المصحف العظيم من أن يدخل فيه تحريف أو زيادة أو نقصان.

ومَن نسب إليه شيئًا من ذلك، أو نسب إليه الخطأ، أو نسب إليه تغييرًا -كما يزعم الزنادقة المعاصِرون باسم: "التنوير"، ويروِّجون هذه الأفكار-؛ فقد كفر كفرًا أكبر ناقلًا عن الملة، وكذا بعض غلاة الرافضة الذين يزعمون تحريف كتاب رب الأرباب بكفرهم وشركهم، وهؤلاء أيضًا لا نزاع في كفرهم؛ بل ولا في كفر مَن لم يكفرهم؛ لمخالفة المقطوع به المعلوم من الدين بالضرورة من دين الإسلام.

ولكن لا يزال للشيطان جهد وعمل وإلقاء الشبهات في القلوب القاسية في معاني القرآن؛ حتى يزعموا أن تفسيرها يتضمن الكفر الذي يقولون به!

وأعجب العجب: أن يزعم أحد كبار الزنادقة في زماننا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا فسَّر القرآن لا يلزم الأخذ به، ويكون هناك تفسيرات أخرى للقرآن فبعضها أحسن من تفسير الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا نزاع في كفر مَن يقول: إن غير الرسول أعلم مِن الرسول بالقرآن، وإن تفسير غيره أفضل من تفسيره؛ لا يقول ذلك مسلم بأي حال من الأحوال، ولكنها الرغبة الجامحة في إفساد مصدر التشريع الأول على المسلمين من حيث الفهم؛ إذ رغبوا قبل ذلك وفتنوا مَن هو مفتون مأفوك صالي الجحيم ممَن قبِل كلامهم في الطعن في السُّنة، وفي حجيتها؛ أقوالًا وأفعالًا، والطعن في سندها، وفي أئمة الحديث الذين رووها، والطعن في فقها وفهمها، والطعن في أئمة الفقه الذين شرحوها؛ ردَّ الله كيدهم في نحورهم، وأبطل مكرهم، وأذلهم في الدنيا والآخرة.