يصلح لكم أعمالكم

  • 154

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فقد قال الله -سبحانه وبحمده-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:٥٦)، فحال العبد في هذه الحياة الدنيا؛ سعادة وشقاءً، وعزًّا وذلًّا، ونصرًا وهزيمة، وعلوًّا وانخفاضًا بمقدار تحقيقه لعبوديته لربه -سبحانه وبحمده-، فكلما كان العبد أكثر تحقيقًا لهذه الغاية كان له أكبر نصيب من الفوز والفلاح والرفعة، ويحصل له  أيضًا من بركة ذلك التوفيق للمزيد من الهداية والثبات، وكذلك للمزيد من الحسنات كما قال بعض السلف: "إن من ثواب الحسنة، الحسنةَ بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئةَ بعدها"، وَهذا التوفيق والمن أثر من آثار أسمائه -سبحانه- الشكور والرؤوف، رحمة ورأفة وعونًا لعباده، كما قال سبحانه وبحمده: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا . وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (النساء:66-68).

وقال -تعالى- أيضًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب:70-71).

قال السعدي -رحمه الله-: "ثم ذكر ما يترتب على تقواه، وقول القول السديد فقال: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، أي: يكون ذلك سببًا لصلاحها، وطريقًا لقبولها؛ لأن استعمال التقوى، تتقبل به الأعمال كما قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).

ومِن فوائد الطاعة والإخلاص لله -تعالى-: أن يقي الله العبد المخلص من الزلل، والسوء والفحشاء: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف:24)، أي: الذين أخلَصوا توحيدنا وعبادتنا، فلم يشركوا بنا شيئًا، ولم يعبدُوا شيئًا غيرنا.

وعلى الجهة الأخرى: الإخلال بتحقيق العبودية لله -سبحانه وبحمده-، ولزوم الذنوب والمعاصي، يترتب عليه  خذلان العبد ولعنه وطرده من رحمة ربه، وقسوة القلوب والتبديل والتحريف لكلام الله، والمخالفة لأمر الله كأثر من آثار نقض العهد مع الله -تعالى-، كما قال -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13).

وكذا من الخذلان لأهل الذنوب والعصيان أن يُخذلوا عن اتباع الهدى والتحاكم إلى شرع الله، كما قال -سبحانه وبحمده-: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة:49).  

قال السعدي -رحمه الله-: "(فَإِنْ تَوَلَّوْا): عن اتباعك واتباع الحق، (فَاعْلَمْ): أن ذلك عقوبة عليهم، وأن الله يريد (أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ)، فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومِن أعظم العقوبات أن يبتلي العبد، ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه.

ومِن خذلان الذنوب والمعاصي أيضًا: الحرمان من التوفيق للخير والوقوع في المخالفة لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وقال -سبحانه وبحمده- أيضًا: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران:155).  

قال السعدي -رحمه الله-: "يخبر -تعالى- عن حال الذين انهزموا يوم "أُحد"، وما الذي أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم، فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكَّنوه بما فعلوا من المعاصي، بل قد يموت القلب من أثر تراكم الذنوب عليه كما قال -تعالى-: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين:41).  

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "هُوَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ، حَتَّى يَعْمَى الْقَلْبُ، فَيَمُوتُ. وَكَذَا قال مجاهد ابن جَبْرٍ وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ" (تفسير ابن كثير).

لذلك المؤمن يظل حذرًا من معصية ربه، وإن أساء يبادر دائمًا بالتوبة والاستغفار، وهو دائم التقرب لربه بالنوافل بعد أداء الفرائض ليرقى لدرجات أعظم في التوفيق والتأييد، كما في الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن رب العزة -تبارك وتعالى- قال: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ).

والمعنى: أن الله -تعالى- بمنه وكرمه، وشكره لعبده، يوفقه ويسدده، ويجعل سمعه وبصره وحركاته في مرضاته -سبحانه وبحمده-، وهو لا يستغني طرفة عين عن عون الله وتسديده، بل هو دائم الافتقار إلى ربه وإلى رحمته وعونه وتسديده، مستعيذًا بالله مما لا يرضيه، كما كان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ أعُوذُ برِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأَعُوذُ بكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كما أثْنَيْتَ علَى نَفْسِكَ) (رواه مسلم).

فاللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.