الصراع القائم... الحجم والتحدي

  • 144

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالقضية القائمة الآن على الساحة العالمية شبيهة بإعادة ترتيب العالَم مِن جديدٍ -والعالم الإسلامي بالأخص- كما نراه واضحًا في تحركات العالم الغربي وأجنداته، وهذا الأمر يجب أن يكون واضحًا لكل مسلم، وإن كان هذا لا يمثِّل لنا شيئًا جديدًا؛ فقد أخبرنا الله -تعالى- به في كتابه، فقال: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة:217).

والعالم الغربي لكونه هو من يملك الدفة الآن، ويقود البشرية بطريقته؛ فحتمًا سيقودها بثقافته ورؤيته للحياة التي هي بعيدة كل البُعد عن منهج الرسل والأنبياء، وأصل فكرتهم وطريقتهم: التمرد على شرائع الأنبياء، وإمامهم في ذلك الشيطان، فقد أخبرنا الله -سبحانه- في كتابه: أن الشيطان قال له: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف:17).

ونحن كعرب ومسلمين لا يجب أن لا نتفق مع الغرب في رؤيتهم ولا ثقافتهم؛ لأننا أصحاب رسالة وشريعة، وكل المحاولات التي يُنادَى بها هنا أو هناك للتواؤم والتعايش بما يسمَّى بحرية الأديان، أو دين الإنسانية الجديد الذي هداهم إليه الشيطان وأعوانه، فمصيرها الفشل بلا أدنى شك، لكن للأسف هناك غرقى وهلكى كثيرون قد هلكوا وغرقوا في بحور الثقافة الغربية، ورضوا بزخرف القول، وابتعدوا عن التحصن بالوحي والدِّين، والتسليم لتعاليم الإسلام الحنيف، ولا تزال تجد أمثال هؤلاء في كل زمان ومكان.

ومهما يكن مِن شيءٍ؛ إلا أن الغرب غرب، والشرق شرق، ولا نقبل إلا الاتفاق على الوحي ورسالة السماء، وأي محاولة للتجميع على طريقتهم الباطلة حتى ولو نجحت؛ فهي مسألة وقت، وسرعان ما تنهار وتندحر؛ لأن ما بني على باطلٍ هو باطل، وإلى زوال.

باختصار: النموذج الغربي يعادي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والمفاهيم الغربية لا تبني مجتمعًا صالحًا، بل تبني إنسانًا تخالِف تصرفاته فطرتَه.

وحب المال والتعلق به، والمتعة المحرمة، واللهو، والجنس المحرم، وحب التسلط على العباد وقهرهم، والتفلت من القيود الأخلاقية والدينية؛ كل هذا يقود للهلاك العاجل غير الآجل.

فيجب على المسلم الحقيقي وصاحب العقيدة الصافية الصحيحة أن يكون عنده ممانعة، وتحصن ضد كل هذه المفاهيم التي انتشرت الآن انتشار النار في الهشيم، لكن كما نعتقد في وعد الله -تعالى- أنها كلها إلى زوال -بإذن الله تعالى-.

نعم إلى زوال؛ لأن أعداء الرسل والأنبياء يستطيعون أن يبنوا الجسور والحواجز التي تمنع العبد من تحقيق الإيمان، لكنهم لا يستطيعون أن يسدوا ثغر الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ إلا مَن أراد الله له الهلاك فانتكست فطرته؛ فهذا ليس لأحدٍ عليه سبيل إلا أن يهديه الله مِن عنده.

وحاجة الإنسان إلى الإيمان حاجة ضرورية، بل أكثر من الحاجة إلى أي شيء آخر، والسعادة والهدى في متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والضلال والشقاء في مخالفته -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذه سنة الله الماضية، وقد جعل الله -عز وجل- الذلَّ والصغار على مَن خالف أمره -صلى الله عليه وسلم-.

قال الله -تعالى-: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور:54)، وقال -تعالى-: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه:123).

والرسالة ضرورية للعباد، ولا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم الي كل شيء، فالرسالة هي روح العالَم ونوره وحياته.

والعالم الغربي قد ضلَّ الطريق في هذا الباب الذي هو أعظم الأبواب على الإطلاق، ويصدق فيهم قوله -سبحانه وتعالى-: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف:103-104).

نعم... إنها معركة بين الوحي والهوى، وبين الهدى والضلال.

نحن معنا شريعة ودين يحتاج إلى حَمَلَة تقدر، وتعمل به، وتتحصن به وتتشبث به، نعم يحتاج إلى أشخاص يبنون ولا يأبهون لأهل الهدم، يعملون ولا يلتفتون لمن ترك العمل، يلتمسون العذر للمعذور ويسدون الثغور، حتى لو رأوا الضعف فيمن قبلهم ممَن يدعو إلى الحق، فيقوِّمون الضعف، ويجبرون الكسر.

واعلم أن العاقبة للمتقين، وأن الله متم نوره ولو كره الكافرون، (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف:43).

ولنا أمل