مَن بلغته الدعوة مشوهة... هل قامت عليه الحجة بذلك؟

  • 324

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فمَن بلغته الدعوة مشوهة، هل تكون الحجة قامت عليه بذلك؟

الظاهر والله أعلم التفصيل، لكن نذكر التفصيل بعد ذكر الأصل في هذه المسألة، وهو: أن مَن بلغه خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد قامت عليه الحجة بذلك، وكان يلزمه طالما بلغه أن رب العالمين أرسل إليه رسولًا أو أن شخصًا يزعم أنه رسول إليه من رب العالمين فليزمه -والحالة هذه- أن يبحث ويتحرى، فالأمر خطير وهذه رسالة من رب العالمين، لا من وزير أو رئيس أو ملك، وإن بحث، فأدلة صدق الرسول ظاهرة، بل هي أظهر من كل شيء، فكما أن أدلة وحدانية الله أظهر شيء في الوجود؛ لأنه رب العالمين، فيتبعها كذلك أدلة صدق رسله؛ لأنهم رسل رب العالمين، فهي أظهر من أن تجحد أو تنكر.

والدليل على قيام الحجة بمجرد بلوغ دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- قول الله -عز وجل-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء:15)، وقوله -عز وجل-: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام:19)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم).

والعادة أن رؤساء الكفار يبلغونهم خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مشوَّها كما قال الله -عز وجل-: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذاريات:52-53)، ومع ذلك لما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل قال له: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ) (متفق عليه).

وقد نقل ابن القيم -رحمه الله- في "طريق الهجرتين" في كلامه على طبقات المكلفين الإجماعَ على أن الكفار المقلّدين لرؤسائهم الذين بلغتهم الدعوة، أنهم كفار في الدنيا، مخلدون في النار في الآخرة.

أما التفصيل فنقول: إن بلغتهم الدعوة مشوهةً، وكان هذا التشويه مُلغيًا لقضية التوحيد أو النبوة، ففي هذه الحالة يُعذرون؛ لأن الحجة تقوم ببلوغ هاتين القضيتين؛ مثلًا: بلغهم أن شخصًا يدَّعي الألوهية اسمه محمد، أو أن شخصًا يدعو إلى عبادة خمسة آلهة اسمه محمد، فهؤلاء لم تبلغهم الحجة على الحقيقة.

وأما إن كان التشويه فيما دون هاتين القضيتين، مثل: أن يُقال: إن الإسلام دين دموي، أو تثار مسألة تعدد زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يعذر به كما سبق.

وبفضل الله لا يكاد يتصور أن يبلغ تشويه دعوة الإسلام أن يهدم قضية التوحيد والنبوة؛ لأن شعار هذا الدِّين متضمن لهاتين القضيتين بأوضح عبارة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس.

أعني باختصار: مَن بلغته (الحجة) فهو غير معذور، و(الحجة) هي التوحيد والنبوة، فمَن بلغته الدعوة متضمنة (للحجة) وإن كان يصحبها تشويه فهو غير معذور، أما مَن بلغته الدعوة خاليةً من (الحجة) فهو معذور، وإن كان هذا يندر وقوعه، ومَن لم تبلغه الدعوة أصلًا؛ فهو أولى بالعذر، ونقصد بالعذر هنا: العذر في الآخرة (يمتحن كما سيأتي)، أما في الدنيا فمَن لم يؤمن فهو عندنا كافر.

فائدة: مَن عاش بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- ولم يبلغه خبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن بلغته دعوة الأنبياء السابقين محرفة، هل قامت عليه الحجة بذلك؟

قيل: لا تقوم عليه الحجة بذلك، ولا تقوم إلا ببلوغ خبر محمد -صلى الله عليه وسلم-، أما دعوة الأنبياء السابقين فقد أصابها التحريف ولا تقوم بها حجة الآن، وحكمه أنه من أهل الفترة؛ كافر في الدنيا، ممتحن في الآخرة.

وقيل: بل قامت عليه الحجة بما في كتبهم مِن الحق، فدلائل التوحيد باقية ظاهرة في كتبهم، وهي وإن أصابها التحريف، لكن بقي ما تقوم به الحجة على إشراكهم بالله.

وقيل -ولعله أقوى- بالتفصيل: إن كان لم يطلع مِن بقايا كلام الأنبياء على دلائل التوحيد ولم يبلغه إلا الضلالات التي ابتدعها الأحبار والرهبان فهو من أهل الفترة، أما إن اطلع في كتبهم على بينات التوحيد فقد قامت بذلك عليه الحجة في قضية التوحيد، وإن لم تبلغه دعوة محمد -صلى الله عليه وسلم-.