فوائد وعِبَر من قصة الأبرص والأقرع والأعمى (موعظة الأسبوع)

  • 181

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه -وأمته عمومًا- بألوانٍ مِن التربية، وصورٍ مِن التزكية؛ تحقيقًا للمهمة التي بعثه الله لأجلها، ومِن تلكم الأساليب التي كان -صلى الله عليه وسلم- يربي بها أمته: القصص، التي لم تكن لمجرد التسلية، بل كانت للعبرة والعظة، قال -تعالى-: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف:3).

- ومِن ذلك تلكم القصة العجيبة التي قصها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي خبر ثلاثة مِن بني إسرائيل ابتلاهم الله -تعالى- بالضراء، ثم قلب ضراءهم إلى سراء؛ ليظهر منهم شاكر النعمة ومَن جحدها.

روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ -أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَاقُ- إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ، أَوِ الْأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ- قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا. فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا. قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.

قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).

- قصة يحتاج إلى الاعتبار بها كل مسلم، وقد اشتملت على فوائد كثيرة جدًّا، نقف على خمسٍ فوائد منها، قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111).

(1) الابتلاء سنة الله في الدنيا:

- الابتلاء بالسراء والضراء في الدنيا سنة كونية، كالماء والهواء، إلخ: ففي القصة: (فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ)، وقال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7)، وقال -تعالى-: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35).

- بل الضراء في حق المؤمن في الدنيا هي الأصل: قال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3)، وقال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) (البقرة:214)، وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: (الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- المؤمن الناصح الفالح هو الذي يخرج من امتحان الدنيا غير مفتون في دينه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل:110).

(2) إثبات الملائكة:

- الملائكة رسل الله في خلقه، بوظائف وأعمال كلفوا بها، وهم في طاعة دائمة لله -عز وجل-، وهم يحبون المؤمنين ويوالونهم: ففي القصة: (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ... )، وقال -تعالى-: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء:26-27)، وقال -تعالى-: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت:30-31).  

- للملائكة قدرة على التشكل وفق ما به يأمرون: ففي القصة: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ)(1)، وقال -تعالى-: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم:17).

- لا تعارض بين كونهم موصوفين بالجمال (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (يوسف:31)، وبين مجيئهم في صورة الأبرص والأقرع والأعمى، فالمقصود حينما يكونون على هيئتهم الملائكية.

(3) نعم الله علينا لا تحصى:

- في القصة قيمة نعمة اللون الحسن والشعر الحسن والبصر، حيث لم يطلب الثلاثة قبلها شيئًا مِن الدنيا.

- نحن نملك نعمًا كثيرة لا تقدر بالمال: "جاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال لا. فبيديك مائة ألف؟ قال لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة!"، وقال -تعالى-: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل:18)، وقال -تعالى-: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21).

- انظر إلى المبتلين لتعرف قيمة ما أنت فيه من النعم(2): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ) (متفق عليه)، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى المبتلى قال: (الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

(4) أثر البيئة على خلق الإنسان وسلوكه:

- هذا ظاهر من حال الثلاثة في طلبهم، الذي ناسب ما آل إليه حال كل منهم عند امتحان الملك لهم: ففي القصة: (فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟) (طلب الأول: جلد حسن ومال كثير "الْإِبِلُ" - وطلب الثاني: شعر حسن ومال كثير "البقر" - وطلب الثالث: أن يرد الله إليه بصره ومال يسير "الغنم").

- الإنسان يتأثر بما يخالط من الكائنات (بيئة قاسية - بُعد عن العلماء - ... ): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألَا إنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أذْنَابِ الإبِلِ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) (التوبة:97)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4)، وقال عمر للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ)(3) (متفق عليه).

(5) شكر النعم سبب بقائها، وجحودها سبب في زوالها:

- شَكَر الأعمى، فرد الله عليه بصره، وأبقى عليه نعمته: ففي القصة: (فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).

- هكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن شكر: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7)، وقال عن شكر نبيه سليمان -عليه السلام-: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(4) (النمل:40).

- وعلى الجانب الآخر: جحد الأبرص والأقرع فأزال الله منهما النعمة، وردهما إلى ما كانا عليه: ففي القصة: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ... فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ... )، وَقَالَ المَلَك للرجل الصالح: (أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).

- وهكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن عصاه وجحد نعمه: قال الله -تعالى-: (وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)، وقال: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:17-20)، وقال -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "نُسبِغ عليهم النِّعم، ونمنعهم الشكر" (كتاب الشكر لابن أبي الدنيا).

وصدق القائل:

إذا كـنـت في نعمة فارعـهـا              فـإن الـذنـوب تـزيـل الـنعـم

وحـطهـا بطاعة رب العـبـاد              فـرب الـعـبـاد سـريـع النقـم

فاللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) استنبط منه بعض الفقهاء دليلًا على جواز التنكر للوصول إلى الحق أو مصلحة شرعية: كتنكر الأمير على الرعية، وكعمل عسس الشرطة.

(2) انظر إلى المرضى وقد أُعطيت الصحة، وانظر إلى العقماء وقد أُعطيت الولد، وانظر إلى الخائفين وقد أعطيت الأمن، بل انظر إلى كثيرٍ مِن الأغنياء وقد أصيبوا بالأمراض التي عُوفيت أنت منها وتستمتع بمأكلك ومشربك وهم يحسدونك على ذلك "ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس".

(3) المقصود أن رجال الأنصار فيهم لين عريكة، فتجترأ المرأة عندهم بالجدل والصخب، بخلاف نساء قريش، كن يخفن غلظة رجال قريش لما كان من مخالطتهم الإبل، والطبيعة الجبلية الصحراوية.

(4) يحسن الإشارة باختصارٍ إلى أركان شكر النعم الثلاثة: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعِم، وبذلها فيما يرضي المنعم.