إنما يخشى اللهَ العلماءُ

  • 145

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن لكلِّ شيء رأس، ورأس العلم: خشية الله جل جلاله؛ قال الله -عز وجل-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، يعني: الخشية الكاملة إنما تكون من أهل العلم بالله، وأهل البصيرة الذين عظموا الله، وعظموا حقه، وعرفوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، وتدبروا كتابه بالإقبال عليه، والوقوف عند حدوده، ومعرفة حلاله وحرامه؛ فأوجب ذلك في القلب خوفه وخشيته، والانقياد لأوامره، واجتناب محارمه، فهم أكبر الناس خشية لله -سبحانه-؛ لكمال بصيرتهم، وعلمهم بالله.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وهذا يدل على أن كل مَن خشي الله فهو عالم، وهو حق، ولا يدل على أن كل عالم يخشاه" (مجموع الفتاوى).

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إنما يخشاه حقَّ خشيته العلماءُ العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم، الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كانت المعرفة به أتَم، والعلم به أكمل؛ كانت الخشية له أعظم وأكثر" (تفسير ابن كثير).

وقال أبو حيان التيمي: "كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله، فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله، ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس العالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله -عز وجل-" (تفسير ابن كثير).

إن العلم النافع هو الذي يزكي النفوس، ويهذبها يرقق القلوب، ويبعث فيها الخشية لله، والإنابة إلى الله؛ فالعلم النافع هو ما باشر القلب؛ فأوجب له السكينة والخشية والإخبات، والتواضع والانكسار لله.

عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: "كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم"، قيل لها: فإن أناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".

وكتب عمر إلى أبي موسى: "إن الفقه ليس بكثرة السرد، وسعة الهذر، وكثرة الرواية، وإنما الفقه خشية الله"، وقال ابن مسعود: "ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية".

وقال الحسن -رحمه الله-: "العالم مَن خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغَّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله عنه"، وقال -رحمه الله-: "الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في دينه، المجتهد في العبادة".

وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "إنما الفقيه الذي أنطقته الخشية، إن قال قال بالكتاب، وإن سكت سكت بالكتاب، وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده ورده إلى عالمه".

وقال الشعبي: "لسنا بعلماء ولا فقهاء، ولكننا قوم قد سمعنا حديثًا فنحن نحدثكم بما سمعناه؛ إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم مَن خاف الله -عز وجل-"، وقيل لابن المبارك: كيف يعرف العالم الصادق؟ فقال: "الذي يزهد في الدنيا، ويعقل أمر آخرته".

إن العلم النافع هو ما دل على: معرفة الله، وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، ومعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه، وخشيته ومحبته ورجائه، والتوكل عليه، والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه والتباعد عما يكرهه ويأباه، فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو العلم النافع، ومتى كان العلم نافعًا، ووقر في القلب لله، فقد خشع القلب لله وانكسر له، وذل هيبة وإجلالًا، وخشية وتعظيمًا، ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له؛ قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة، والزهد في الدنيا، وإنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله -عز وجل-.

وقال الغزالي -رحمه الله-: "إن حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العمل، فأورث الخشية فالتقوى"، قال الحسن: "كان الرجل إذا طلب بابًا من العلم؛ لم يلبث أن يُرى أثر ذلك في تخشعه وبصره، ولسانه ويده، وزهده وصلاته وبدنه".

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وأصل الاستقامة: استقامة القلب على الإيمان حبًّا لله وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا وإنابةً وشوقًا إليه، وزهدًا في الدنيا ورغبة في ما عند الله، وشكرًا لنعمه، وصبرًا على بلائه ورضًا بقضائه، فاستقامة القلب على الإيمان: هو أصل الاستقامة التي أمر الله بها، وهو الذي يتفرع عليه بعد ذلك أنواعها من استقامة جميع الجوارح على الإسلام، وهذا كله ثمرة العلم النافع الذي يباشر القلوب؛ فيوجب لها السكينة والخشية والإخبات، والتواضع والانكسار، وإذا لم يباشر القلب ذلك العلم وإنما كان على اللسان؛ فهو حجة الله على ابن آدم تقوم عليه وعلى غيره".