وقفات مع قصة أصحاب الكهف (8) (وقفة تربوية: فضل الصاحب الصالح)

  • 155

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمَن صاحب أهل الخير نال مِن بركتهم؛ هذا المعنى الطيب ظاهر بوضوحٍ في قصة أصحاب الكهف حيث نال حيوان بهيم (وهو كلب الفتية) بركة صحبتهم، قال الله -تعالى-: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (الكهف:18).

قال أبو الفضل الجوهري -رحمه الله-: "ان مِن أحب أهل الخير نال مِن بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله".

وقال القرطبي -رحمه الله-: "فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصِّرين عن درجات الكمال، المحبين للنبي -صلى الله عليه وسلم- وآله" (تفسير القرطبي).

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "شملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم مِن القوم على تلك الحال، وهذه فائدة صحبة الأخيار" (تفسير القرآن العظيم).

فصحبة أهل الخير باب من أبواب الأعمال الصالحة إذا قصرت بالمسلم الأبواب الأخرى، فصحبة الصالحين ومحبتهم ترفع المسلم إلى درجتهم وإن لم يعمل بأعمالهم، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: بينما أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ- خَارِجَيْنِ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ المَسْجِدِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (ما أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قالَ فَكَأنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قالَ: (فأنْتَ مع مَن أَحْبَبْتَ). قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)، قَالَ أَنَسٌ: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ" (متفق عليه).

وصحبة الأخيار والصالحين درجات، ومِن أعظمها: اتخاذهم أصدقاء وخلان للإنسان، فإن الصديق والخليل الصالح خير عون على الدنيا والدين، ففي الحديث: (قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (رواه البخاري)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ... )، وذكر منهم: (وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ) (متفق عليه).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ مِن عبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شُهداءَ، يغبِطُهم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ -تَعَالىَ-) قالوا: يا رسولَ اللهِ، تُخبِرُنا مَن هم؟ قال: (هم قومٌ تحابُّوا برُوحِ اللهِ(4) على غيرِ أرحامٍ بَيْنَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها، فواللهِ إنَّ وجوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم على نُورٍ، لا يخافونَ إذا خاف النَّاسُ، ولا يحزَنونَ إذا حزِن النَّاسُ)، وقرَأ هذه الآيةَ: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

ولقد عبَّر السلف -رحمهم الله- كذلك عن فضل الصديق والخليل الصالح في الدنيا والآخرة بدررٍ مِن القول؛ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لِقَاءُ الْإِخْوَانِ جَلَاءُ الْأَحْزَانِ"، وقال بعض السلف: "رُب صديق أودُّ من شقيق"، وقال آخر: "أَفْضَلُ الذَّخَائِرِ أَخٌ وفِيٌّ"، وقال أخر: "صديق مُسَاعدُ عضدٌ وَسّاعدً" (أدب الدنيا والدين).

وعبَّروا عن فقدان الخليل الصالح وصاحب الخير بأن ذلك مصيبة تنزل بصاحبه؛ قال الامام أحمد -رحمه الله-: "إذا مات أصدقاء الرجل ذل" (طبقات الحنابلة). وقال سفيان بن عيينة: "قال لي أيوب: إنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ إخْوَانِي فَكَأَنَّمَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي" (الآداب الشرعية)، وقال الخليل بن أحمد: "الرجل بلا صديقٍ كاليمين بلا شمال".

وقال الشاعر:

لـكـل شـيء عَـِدمْـتَه عـوضٌ             وما لفقدِ الصديق مِن عوض

وقال جعفر بن محمد: "لقد عظمت مكانة الصديق، ألم تسمعوا قوله -تعالى- في أهل النار: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (الشعراء:100-101)".

نسأل الله أن يجمعنا على محبته.

والحمد لله رب العالمين.