التكامل التربوي

  • 167

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلعل مِن أهم ما ينبغي أن ينتبه إليه المربي حال تربيته لمَن يربيه، هي قضية التكامل التربوي.

وأقصد بالتكامل أمرين:

الأول: التكامل بين جوانب التربية الثلاثة: الجانب البنائي، والوقائي، والعلاجي.

وأقصد بالجانب البنائي: كل ما يتم بناؤه لأول مرة في نفس وقلب وروح الطفل، كتعليمه فقه الوضوء، والصلاة، أو أركان الإسلام شرح خلق مِن الأخلاق: كالصدق، والأمانة، وغيرها.

أما الجانب الوقائي فهو: ما نعلمه للمتربي لا لذاته، بل لأمر آخر مستقبلي كمن يشرح معني المراقبة لله -تعالى- في بداية مرحلة المراهقة لاحتياج الشباب إليها كثيرًا في مواقف كثيرة في حياتهم.

أما الجانب العلاجي: فيتضمن إستراتيجيات تعديل سلوكهم عند الاضطراب والانحراف، وهذا أمر لا بد من تعلمه؛ إذ النفس البشرية لا عصمة لها البتة؛ لا سيما في مرحلة الطفولة والمراهقة، فالطفل ما زال ينمو فيخطأ ويتعلم.

وإذا اقتصر المربي على جانبٍ مِن الجوانب الثلاثة وأهمل الباقي، كان المنتج ضعيفًا معيبًا، بارزًا في اتجاه، وفي المقابل: يبرز نتوء آخر، وهذا مِن أخطر ما يكون البتة.

أما التكامل الثاني الذي لا بد منه هو: التوازن بين الجزء المعرفي والسلوكي والمهاري.

فأحيانًا يكون هم المربي الأوحد هو البناء المعرفي والتحصيل النظري للطفل دون متابعة تحويل ذلك إلى سلوك عملي بين أقرانه وزملائه، وكثيرًا ما نسمع عن هذه المفارقة بين ثناء المحفظ على شابٍ كثيرًا ما تستكي منه أمه في تعامله معها، وهكذا.

لذا كان التكامل بين العلم والعمل أصل الأصول الذي ينبغي مراعاته ومتابعته دومًا، وانظر كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتابع أصحابه قائلًا: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه مسلم)، ولم يكتفِ -صلى الله عليه وسلم- بالتحصيل العلمي.

وكذلك تنمية مهارات مَن تربيه، وإعداده كعضو ناجح في المجتمع الذي يعيش فيه؛ فالأمة تحتاج إلى الاستفادة من كل طاقات الشباب، ولا يكون ذلك إلا باكتشاف الطاقات ثم تنمية المهارات، ثم التوظيف والتكليف، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة لما سمع أبا محظورة يقلِّد بلالًا استهزاءً بالأذان، ناداه وعلمه، وطور أداءه، ثم أرسله إلى مكة مؤذنًا لها.

فيا ليتنا تعلمنا هذا التكامل في البناء العلمي والعملي، السلوكي والمهاري مِن المربي الأول -صلى الله عليه وسلم-.