التربية الأخلاقية في مرحلة الطفولة (2) الوسائل

  • 156

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

3- وسائل اكتساب الأخلاق:

- الإيمان:

لأن المؤمن يؤمن بما أخبره الله -تعالى- به، ويمتثل ما أمره به، ويتقرب به إليه، وكلما زاد إيمان العبدُ زاد امتثاله وكان القرآن خُلُقًا له يمشي به في الناس؛ فلذلك على الأبوين أن يحرصا على تربية الإيمان في نفوس أولادهما.

- القدوة الحسنة:

لا بد وأن يكون الوالدان قدوة حسنة لأولادهما في إيمانهم وأخلاقهم؛ فإن نَظَر الطفل معقود بوالديه، فالحسن عنده ما حسنوه إليه، والقبيح عنده ما قبحوه لديه، وقد جَبَل الله البشر على تشبه بعضهم ببعض، قال الله -تعالى- في المكذبين: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) (البقرة:118)، أي: في التكذيب وإلقاء الشبهات للصدّ عن سبيل الله، وكذلك تشابهت قلوب المؤمنين، لكن في الإيمان وأعماله مِن حبِّ الله ورجائه والخوف منه، والدعاء، وحب الخير، وكراهية الشر.

وخير قدوة لنا جميعًا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعلينا أن نقتدي به في أخلاقه، وندرب أنفسنا عليها لتكون راسخة فينا، فيأخذها منا أولادنا.

قال ابن المبارك -رحمه الله-: "حُسن الخُلُق: ترك الغضب".

وقال عمرو بن عتبة لمؤدب ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بك، الحسن عندهم ما فعلت، والسيئ عندهم ما تركت".

- الصحبة الصالحة:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

أي: على عادة وطريقة صاحبه؛ فإما أن تكون عادة خير، أو عادة شر.

والصاحب ساحب؛ فإما أن يسحبك إلى خير أو إلى شر، والطبع سرّاق، فإما أن تسرق منه طبعًا حسنًا، أو طبعًا سيئًا.

قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "إذا خالطت فخالط حسن الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة".

وهذا يجعل الوالدين في حرصٍ شديدٍ على انتقاء مَن يخالطهم طفلهم في كل مرحلةٍ مِن مراحل التربية.

- التعاهد... التعاهد:

النفس كالطفل إن تهمله شب على                  حـب الـرضـاع وإن تـفـطمه ينفطم

فالتربية تحتاج إلى صبرٍ وعدم ملالٍ، ومعاهدة، وتوجيه بعد توجيه من آنٍ إلى آخر.

واعلم أن الخطأ ملازم للإنسان، والنسيان عارض، وعدم التنفيذ وارد؛ فتجاوز عن نسيانه، وصوّب له خطأه، وحُضّه على طاعتك التي هي مِن طاعة الله -تعالى-.

- القصص:

فقصص الصالحين جند من جنود الله، يحيي الله بها كثيرًا من النفوس، قال الله -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام:90)، وقال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111)، وقال الله -تعالى-: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120).

قال بعض السلف: "الحكايات جند من جنود الله -تعالى- يثبِّت الله بها قلوب أوليائه".

وقال آخر: "استكثروا من الحكايات، فإنها درر، وربما كانت فيها الدرة اليتيمة".

وخير ما يحكَى لهم قصص الأنبياء، وسيرة نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- التي هي مَثَل حي؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: "كان خُلقه القرآن".

- ومن خير الأساليب التربوية: التربية بالقصة، والنفوس مجبولة على حب القصص والانتفاع به، فعلى الوالدين أن يُحسنا اختيار القصة، وأخذ العبر منها في ترسيخ الأخلاق والآداب الفاضلة.

- الدعاء:

فالدعاء هو العبادة، والله يحب من عباده أن يدعوه ويتضرعوا إليه، وخير ما يدعو به الإنسان ربه، أن يرزقه الله -تعالى- ولدًا صالحًا، قال الله -تعالى- في صفة عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان:74)، وقال الله -تعالى- عن دعاء زكريا -عليه السلام-: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، وقال -سبحانه- عن دعاء إبراهيم -عليه السلام-: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (إبراهيم:40).

فيدعون ربهم - تعالى-، ويلّحون في الدعاء أن يصلح لهم أولادهم، خاصة في أوقات الإجابة.

- الترغيب والترهيب:

إن الله -تعالى- قد جبل نفوسنا على حب الثناء والمدح إذا أحسنت؛ لذلك كان الإخلاص صعبًا على النفوس؛ لأنه لا حظ لها فيه، والطفل يعجبه الثناء، ويفجّر مكنون طاقاته الحسنة.

فعلى الوالدين إذا أحسن ولدهما أن يكافآه بمكافأة مناسبة، مع استخدام عبارات المدح والتشجيع، والحذر من عبارات الإحباط والتثبيط؛ واحذر ثم احذر أن تقول له كلمة: "فاشل" وأخواتها؛ فإنها تقعد بالإنسان عن طلب المعالي، بل والتكاسل والخمول، وإن أساء فلا بد مِن نصح متتابع، وإن لم ينزجر إلا بالزجر زُجر؛ رحمة به، وخوفًا عليه، مع تهيئة الفرصة للرجوع.

وهكذا التربية فيها معاناة، ولكن إذا عرفت شرف ما تطلب هان عليك ما تبذل؛ إنه الولد الصالح الذي نسأل الله أن يرزقنا إياه.

 يتبع -إن شاء الله-.