لا تكن ذُبَابيًّا!

  • 133

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلقد ابتُليَ الكثير مِن المسلمين في هذه الأيام -إلا مَن رحم الله- بمرض الثرثرة، والقيل والقال، والخوض في الأعراض، فانطلقت ألسنة الناس في نقل كلِّ ما يُسمعون من الإشاعات فينشرونها دون التثبت من مصدرها، والتحقق من صحتها، ولا سيما وقد انتشرت وسائل التواصل السريعة والحديثة.

وقلما تجد مَن يتكلم بعدلٍ وإنصافٍ، بل ويتباهى بطول لسانه، ووقوعه في أعراض الناس، ولا يستحيي من الله -عز وجل-، قال أحد الصالحين لأصحابه: "أخبروني لو كان معكم أحد يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قالوا: لا، قال فإن معكم مَن يرفع الحديث إلى الله -عز وجل-".

قال الله -تعالى-: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأنعام:152)، وقال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء:135).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الكلامُ في الناس يجبُ أن يكون بعلمٍ وعدلٍ، لا بجهلٍ وظُلمٍ، والوقيعةُ في أعراضِهم أشدُّ مِن سرقة أموالِهم" (منهاج السنة النبوية).

وقال أيضًا -سقاه الله من سلسبيل الجنة-: "بعض الناس كالذباب لا يقع إلا علي الجرح!".

فالذباب يترك الأبيض الناصع النظيف الطاهر، ويقع على الأقذار والأوساخ والنجاسات، يترك الجسم السليم النظيف المعطر، ويقع على الجروح والدمامل والصديد، فإذا كنت لابسًا ثوبًا أبيض وكنت متطيبًا، لا يقع الذباب عليه! لكن إذا رأى جرحًا في أصبعك وقع عليه! هكذا حال كثير مِن الناس الآن، لا يذكرون إلا السيئ ويغضون الطرف عن الحسن، ويذكرون القبيح وينسون الجميل.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "والله يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل، خصوصًا مَن نصَّب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال -تعالى-: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (الشورى:15) (إعلام الموقعين).

وقال محمود سامي البارودي:

تـغـيـر الـناس عما كنـتُ أعهدهُ         فـالـيـوم لا أدبٌ يغـنـي ولا فطنُ

فلا صديق يراعي غيب صاحبه         ولا رفـيـق على الأسرار يُؤْتَمَنُ

قال السخاوي -رحمه الله- ما نصه: "روينا عن المزني قال: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذّاب. فقال: يا أبا إبراهيم اُكْسُ ألفاظَكَ أَحْسَنَها، لا تقل: فلان كذّاب، ولكن قُلْ: حديثه ليس بشيء" (فتح المغيث).

ففي هذا الخبر يرشد الإمامُ الحَبْر الشافعيُّ -رحمه الله- إلى مسألة في الذوق في الكلام، ويلفت الأنظار إلى أن يُلْبِس الإنسانُ ألفاظَه أحسنَ الألبسة، فيصوغَها بأسلوبٍ رائعٍ يجعلها خفيفةً على السمع، سهلة النفوذ إلى القلب حتى وإن كان الكلام مزاحًا، كما يجب البُعد عن الطعن في الآخرين، والتشهير بهم واغتيابهم، ولو كانوا خصوما، فليس المؤمن بالطعان ولااللعان ولاالفاحش البذيء.

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

ومعنى الطعَّان: الذي يقع في أعراض الناس بالذم والغيبة. واللعَّان: كثير اللعن، واللعن هو الطرد من رحمة الله. والفاحش: ذو الفحش في كلامة وفعله. والبذي: السفيه الفاحش في منطقه وإن كان كلامه صدقًا.

ولما عُرج به -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على قومٍ لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال: (مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

ولم يبح لنا ديننا حتى سب العاصي، فعن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: (اضْرِبُوهُ) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: (لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ) (رواه البخاري).

ومعنى أخزاك الله: أي أهانك الله وأذلك.

قال ابن علان الصديقي -رحمه الله-: "وجه عونهم الشيطان بذلك؛ أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية حصول الخزي، فإذا دعوا عليه به فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان" (دليل الفالحين).   

وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا، يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) (متفق عليه).

ومِن أنواع الشتم والسباب: اللعن، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا) (رواه مسلم)، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم).

لقد أمرنا الله -عز وجل- أن نتكلم بالكلمة الطيبة مع الناس جميعًا؛ مؤمنهم وكافرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم على حدٍّ سواء، وألا نجهل إذا جُهل علينا، وأمرنا بالتحلي بالصبر الجميل، قال -تعالى-: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83)، وقال -تعالى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).

إن الأمة الإسلامية لفي أمس الحاجة إلى الفرد الذي يضبط مشاعره، ويتحكم بتصرفاته ويتعقل في أقواله، ويتبصر في خطواته؛ أما صلاته فأي قيمة لها وهي لم تنهه عن فحشه وبذاءته ومنكراته، وقد قال الله -عز وجل-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت:45).  

وعن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

وفي كتاب أبي داود عن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وكفى هذه الفعلة قبحًا أن صاحبها كالذباب لا يكاد يقع إلا على المستقذرات والمنتنات والمستقبحات ذوقًا وعرفًا، بل وشرعًا.

نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.