ما عند الله خير وأبقى

  • 359


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن عتبة بن غزوان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الْمُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَوَمِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني).

عندما يتربى الشاب على الديانة والالتزام والطاعة، وينشغل بالعبادة وما يقرِّبه مِن ربه -جل وعلا- سالكًا درب السُّنة متمسكًا بها عاضًّا عليها، فيحاول جاهدًا أن يسيطر على زمام قلبه، وأن تنصاع له الجوارح وتخضع له الأركان؛ كل هذا بفضل الله تعالى ومنته وكرمه؛ لأنه يعلم جيدًا أن التمسك بالسنة نجاة.

كان الزهري -رحمه الله- يقول: "الاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاة" (رواه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة).

- فإذا خرج إلى الشارع بدأ الصراع على أشده والتحدي على مصرعيه، فلربما رأى في الطرقات المتبرحات السافرات المتعطرات في كامل زينتهن، فسارع بغض البصر حفاظًا على قلبه، وولَّى مِن طريق آخر، وقال: "ما عند الله خير وأبقى".

- وإذا سمع صوت المعازف والطرب المحرمة التي في بعض الأماكن أصبحت تملأ معظم الأجواء في المواصلات، وبعض المطاعم والمحلات، وتغطي سماء معظم الأفراح  والأعراس، بل صارت عند بعضهم مِن الضرورات التي يشترط عليها -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، فينصرف مسرعًا ويخاف على قلبه، ويحرص كل الحرص على أولاده فلا يخرج بهم إلى الأماكن التي لا ترضي الله -تعالى-، ويصبرهم ويحاول أن يبحث لهم عن مكانٍ يتناسب مع التزامهم وأخلاقهم، ولسان حاله يقول لهم: "ما عند الله خير وأبقى".

- وإذا عامل بعض الناس ربما بان له سوء الخلق وسمع بأذنيه بذيء اللفظ وفحش المعنى، وكذب القول، وسوء الطبع، وطيش الحدثاء؛ فلزم الصبر والاحتساب والرضا طلبًا للأجر من الله -تعالى-، وقال: "ما عند الله خير وأبقى".

- وإذا ذهب ليقضي مصلحة شخصية أوغاية دنيوية رأى قلة قليلة من العمال والموظفين يلمح له بالرشوة، ويظهر له صعوبة الأمر، واستحالة الطلب فيصمد ويصارع ضد تيارهم، ويرفض ويأبى ديانة لله وعدم إعانة أهل الباطل، ويقول: "ما عند الله خير وأبقى".

- وإذا أراد أن يحضر مناسبة اجتماعية أوعائلية أو ربما في عمله ووظيفته، فيرى الاختلاط الفاحش المصحوب بالتبرج والسفور من بعض النساء والخضوع في القول، فيصارع ويصمد ويأخذ منه على قدر الضرورة وأداء الواجب، وما أوجبه الشرع عليه، ويقول: "ما عند الله خير وأبقى".

- وإذا أراد أن يجالس بعض الناس من الجيران والأصدقاء والأرحام، وجد مجالسهم ملئت بالغيبة والنميمة والخوض في الأعراض فصمت وجاهد نفسه وصارع ولم يجاريهم في باطلهم، وحاول نصحهم فاستثقلوه وكرهوا مجالسته، واتهموه بالتشدد والتعنت وغير ذلك، فاحتسب وصبر وقال: "ما عند الله خير وأبقى".

- وإذا رأى التلفاز أخذ منه ما يناسبه من القنوات المحافِظة، ووقف صامدا أمام شهوات الأفلام والمسلسلات، وأمام مغريات الشبكة العنكبوتية ومواقعها السيئة، واستحضر مراقبة الله له وعظمها في قلبه، فأغلق الباب وأحكم المفتاح على قلبه، وقال: "ما عند الله خير وأبقى".

- أيها المسلم الملتزم... اصبر واحتسب واثبت، وانظر إلى عظم الأجر وحسن الجزاء: فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ مِنْ وَرَائِكمْ زَمانَ صَبْرٍ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِ أجْرُ خَمْسينَ شَهِيداً مِنْكمْ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في لطائف المعارف: "وسبب ذلك: أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد مِن بينهم مَن يتمسك بدينه ويعبد ربه، ويتبع مراضيه، ويجتنب مساخِطه، كان بمنزلة مَن هاجر مِن بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، متبعًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه".

واعلم أيضا أن اللذائذ مهما زادت متعتها اللحظية، فلن تعادل أبدًا لذائذ الطاعة، ولا ربعها، ولا معشارها، قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء:٧٧).

وقال عبد الله بن وهب -رحمه الله-: "كلُّ مَلذوذٍ إنَّما له لذةٌ واحدةٌ إلَّا العبادة، فلها ثلاث لذائذ: إذا كنتَ فيها، وإذا تَذكَّرتها، وإذا أُعطِيتَ ثَوابها".

فجنتك وبستانك في قلبك وحياته بأمر الله هي نتاج التقوى، وثمار الطاعة ووقود الإيمان، وحذار أن تنجرف في تيار التنازلات وتهوي في مستنقعات أهل الفواحش والزلات، ومَن عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يجد، وبذل كل ما يملك وعاش حياة طيبة، قال الله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97).

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "وقد فُسرت الحياة الطيبة: بالقناعة والرضا، والرزق الحسن، وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب ونعيمه، وبهجته وسروره، بالإيمان ومعرفة الله، ومحبته والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب، وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا" (مدارج السالكين).

ولك أن تتعجب: أن الناس يحترمون صاحب المبادئ الذي يحترم مبادئه؛ أفلا يحترمون صاحب الدين؟! أفلا يقدرون مَن يعظم حرمات الله؟!

إن حرمانك اليوم مِن الشهوات المحرمة يسعدك غدًا عند ربك، وسترى بعينك وتشعر بقلبك: أن ما عند الله خير وأبقى؛ فاصبر واحتسب، واثبت ولا تلتفت، واجعل هدفك، بل أمنيتك، بل رجاءك في ربك -جلَّ وعلا- الجنة، واسأل الله الثبات على الطريق الذي يوصلنا وإياك إلى الجنة، فهو الذي يملك القلوب ويقلبها كيفما شاء، فنحن فقراء إلى الله -تعالى- وأعزاء بدينه، سعداء بطاعته.

أسأل الله أن يرفع درجاتنا في أعالي الجنان ووالدينا وجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.