المال بين النعمة والفتنة (1)

  • 101

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالمال نعمة عظيمة ومنة جسيمة يمتن الله بها على مَن يشاء مِن عباده، ويمنعها ممَن يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء:23)، بحكمة منه ولطف: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14)، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر على من يشاء، فالله أعلم بما ينفع عباده وما يضرهم إذ هو خلقهم، فمِن عباد الله مَن لا يصلحه إلا الغنى، ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر، وسبق علم الله بذلك، وكتبخ في اللوح المحفوظ، والكل في أم الكتاب مستطر.

وقد جبل الله الإنسان على محبة المال فقال: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر:20)، أي كثيرًا، وقال أيضًا: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ . وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد) (العاديات:6-8)، وحب الخير أي: المال، فالمال في حد ذاته خير ونعمة؛ ففيه قيام لمصالح العباد الدنيوية والاخروية؛ ولهذا قال الله -تعالى-: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (النساء:5).

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "ينهى -سبحانه وتعالى- عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ومن ها هنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام، فتارة يكون الحجر على الصغير، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه، حجر عليه... " (تفسير ابن كثير).

والمال من جملة الكليات الخمس أو الضرورات الخمس التي أسست الشريعة القواعد للمحافظة عليها -الدين والنفس والعقل والمال والنسل-، فالمال خير لمَن رُزق شكره ومعرفة مكانه، وهو فضل الله يؤتيه مَن يشاء، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟) قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ) قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: (تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً) فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (رواه مسلم).

فالمال فضل من الله ونعمة لمَن قام بحقها، ولم ينسَ حق الفقير والمسكين الذي لم يوجبه هو، بل أوجبه الله رب العالمين، وكان سيرته فيه كسير الأوائل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- حينما دعا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- للصدقة، فأتى بماله كله وتصدق به، والفاروق عمر -رضي الله عنه- الذيأ أتى بشطر ماله، وعثمان ذي النورين وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- وتصدقهما بالمال كثير.

وذكر محمد بن إسحاق أن ناسًا من أهل المدينة كانوا يعيشون لا يدرون مِن أين كان معاشهم، فلما مات زين العابدين فقدوا ما كان ياتيهم بالليل، وهذا مِن كمال الإخلاص؛ أنه كان -رحمه الله- لا يريد أن يعرف أحدًا أنه الذي كان ينفق عليهم.

وغير ذلك من الأمثلة كثير، ممَن كان المال في حقه نعمة ومنة، فنعم المال الصالح للعبد الصالح إذا وافق قلبًا شاكرًا مخلصًا، وقد يعطى العبد أجر ما لم يرزق إياه بعمل صالح ونية صالحة، كما في حديث أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فهذه أربعة أصناف لا يتعدي أي واحد منا أن يكون حاله في صنفٍ مِن هذه الأصناف؛ إما أعلى المنازل، وإما أن يأخذ الأجر بنيته، وإما الثالث الذي هو بأخبث المنازل، وإما الرابع الذي أخذ الوزر بنيته. 

فالمال إما نعمة وإما فتنة، والأحوال السابقة في حق أصحابه نعمة، ولكن متى يكون فتنة؟ وما دليل ذلك؟ وما صور الفتنة؟

نستكمل ذلك في المقال القادم -بإذن الله-.