مصر والشام وعز الإسلام (5) وفاة أبي بكر وتولية عمر وعزل خالد عن إمارة الجيش

  • 114

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فقد توجَّه المسلمون إلى دمشق، فنزل خالدٌ على الباب الشرقي، وأبو عبيدة أمام باب الجابية، ويزيد على بعض أبوابها، وعمرو بن العاص على بابٍ آخر، وجاءهم وهم على هذه الحال منجمة بن زنيم رسول عمر بن الخطَّاب يحملُ رسالة تتضمن نعي الخليفة أبي بكر الذي توفي مساء الثُلاثاء في 21 جمادى الآخرة سنة (13) هـ الموافق فيه 22 أغسطس (634) م، ومبايعة عمر، وتضمن أيضًا عزل خالد بن الوليد عن إمارة جُيوش الشام وتعيين أبي عُبيدة بدلاً منه.

لكن أبو عُبيدة أخَّر إعلان خبر العزل؛ لأن المُسلمين كانوا في صدد تحضير فتح دمشق، ولم يشأ أن يُحدث هذا التبديل أي زعزعة في صُفوف الجيش الإسلامي. واختلف المؤرخون والباحثون في تحديد أسباب عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجُيوش، وهو القائدُ الفذ الذي حقق للمسلمين انتصاراتٍ في حُرُوب الرِدة وفي معارك فتح العراق و الشام، وذلك في ظُروفٍ صعبةٍ جدًّا.

ولعل سبب عزله: أن عمر -رضي الله عنه- قلق مِن تعلُّق المُسلمين بشخص خالد بعد أن انتصر في المعركة تلو الأُخرى، فعظمهُ الناس، فقام عمر بعزله كي يظهر للناس أن النصر يأتي من عند الله، وأن الله ينصر الإسلام وليس أشخاصًا مُعينين بذاتهم.

وفي جميع الأحوال: فإن خالدًا -رضي الله عنه- تلقى خبر العزل بهدوء عندما أُعلم به لاحقًا؛ فهو يعمل لإعلاء كلمة الله سواء كان جنديًّا أو قائدًا، فخاطب المسلمين ناعيًا الخليفة أبا بكر وداعيًا بالتوفيق لأمير الؤمنين عمر ثم قال: "أُمِّر عليْكُمُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ يَقُوْلُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فقال أبو عُبيدة: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ يَقُوْلُ: "خَالِدٌ سِيْفٌ مِن سُيُوفِ الله، نِعْمَ فَتَى العَشِيْرَةِ".

معركة (فحل - بيسان):

انسحبت فُلول الروم بعد معركة أجنادين إلى دمشق، وتحصَّنت فيها، في حين عاد تذارق -أخو هرقل- إلى القُسطنطينية، وكان الإمبراطور يُتابع تطورات الموقف العسكري، فأمر بتجميع قواته المُنتشرة في جنوبي الشام في فحل وبيسان الواقعة على الطريق بين الأُردُن ودمشق، وأرسل في الوقت نفسه جيشًا من حِمص يُقدر بِعشرة آلاف مُقاتل باتجاه دمشق.

توافد المسلمون إلى (فحل - بيسان)، وحشد الروم قرابة ثمانين ألفًا ودمَّروا سدود الأنهار الغربية لعرقلة تقدم المسلمين وخشيةً من أن يُفاجئوهم، فامتلأت الأرض بالماء من بيسان إلى فحل، وعلى الرغم من ذلك، فقد تقدم المسلمون نحو الروم ونفذوا غارات خاطفة سريعة على القرى والزروع في وادي الأُردن والقرى القريبة منهم، فقطعوا بذلك مصادر التموين والمدد عنهم.

ويبدو أن عرب الأُردن شعروا بالخطر، فاجتمع زعيمهم بأبي عبيدة وصالحه على سواد الأُردُن، وحاول الروم التفاهم مع المُسلمين؛ فعرض القائد الرومي التنازل عن إقليم البلقاء وتلك المنطقة من الأُردن التي تتصل بشبه الجزيرة العربية، مقابل انسحاب المسلمين، فرفض المُسلمون هذا الاقتراح، ولجأ قائدهم سقلار إلى سلاح الرِشوة، فعرض على أبي عبيدة أن يمنح كل جندي مسلم دينارين مقابل الرحيل، فرفض أبو عبيدة هذا العرض أيضًا، وعبأ الطرفان قُواتهما استعدادًا للقتال، واشتبكا في رحى معركةٍ ضارية انتهت بانتصار المُسلمين، فقذفوا الروم في الوحول التي حاولوا هُم قذفهم فيها، وقتل منهم ما يُقارب عشرة آلاف مُقاتل كان سقلار من بينهم، وتفرق مَن نجا في مدن الشام، ولحق بعضهم بهرقل في أنطاكية.

وقد فتحت هذه المعركة الطريق أمام المُسلمين، فسيطروا على جميع مُدن وقرى إقليم الأُردن بسهولة، واضطر السكان إلى طلب الأمان، وكتبت عهود الصلح في كل مكان بمنح الأمان على أرواح المغلوبين وأموالهم وأراضيهم وكنائسهم ومعابدهم مقابل الجزية.

فتح دمشق:

استأنف المسلمون حصار دمشق بعد عودتهم من الأُردن، فأخذوا الغوطة وكنائسها عنوةً، وتحصن أهل المدينة وأغلقوا بابها، وتوزعت مهام الحصار كما يلي: نزل أبو عبيدة على باب الجابية، وخالد بن الوليد على الباب الشرقي، ويزيد بن أبي سفيان على باب كيسان، وعمرو بن العاص على باب الفراديس، وشرحبيل بن حسنة على باب توما، وعمد أبو عبيدة إلى عزل المدينة عمن حولها، وقطع اتصالاتها مع العالم الخارجي حتى يجبر حاميتها على الاستسلام، وطال أمد الحصار على الدمشقيين والذي دام سبعين ليلة، وقيل: أربعة أشهر، وقيل: ستة أشهر.

ولما يئسوا من حُصول نجدة تنقذهم وتُجلي المُسلمين عن مدينتهم؛ وهنت عزيمتهم، ومالوا إلى الإستسلام. فبادر الأُسقف منصور بن سرجون إلى خالد بن الوليد فصالحه وفتح له الباب الشرقي، فدخل الأُسقف معهُ ناشرًا كتاب الصلح، والتقى خالد مع أبي عبيدة بدمشق، فأمضى الصلح ولم يلتفت إلى ما فتح عنوةً، فصارت دمشق كلَها صلحًا، وكتب بذلك إلى عمر، وكان صُلحُ دمشق على المُقاسمة على الدينار والعقار، وعلى جزية دينار عن كل رأس.

فتح حمص:

كانت مدينة حمص قبل الفتح الإسلامي مركزًا إداريًّا مهمًّا، كما كانت قاعدة هرقل يرسل منها الجيوش لمحاربة المسلمين في الجنوب، ويدير منها العمليات العسكرية، وقد سار أبو عبيدة إلى حمص، ولما وصل إلى ضواحيها تصدت له قوة عسكرية، فاشتبك خالد مع أفرادها وهزمهم، فولّوا الأدبار ودخلوا المدينة فحاصرها المسلمون.

وكانت القوة المدافعة على المدينة تأمل في تلقي دعم سريع من جيوش الإمبراطورية، ولكن ذلك لم يحدث، وقد أملوا أن يجبر البرد وقساوة الطقس المسلمين على التراجع، لكن المسلمون ثبتوا، وطال أمد الحِصار على أهل حمص وساءت حالتهم، وخشوا على أنفسهم من السبي إن فتحت مدينتهم عنوة.

وفي نهاية الأمر: حدث توافق بين الحامية البيزنطية والسكان على طلب الصلح، وكتب لهم المسلمون عهدًا بعدم التعرض لهم في حياتهم وأملاكهم ودورهم وأماكن عبادتهم لقاء الجزية، لكن هرقل ردَّ على ذلك بتجييش الجيوش الجرارة للقضاء على المسلمين واستئصال شأفتهم مِن الشام في موقعة اليرموك.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.