مقاصد المكلفين (17)

  • 166

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زلنا نطوف حول مقاصد المُكلفين، وأمر النية والإخلاص، وقد سلَّطنا الضوء في مقالنا السابق على مسألتين مهمتين، وهما: ما الأمور التي يُراءَى بها، ثم ما حكم العمل المراءى به، وفي هذا المقال نتعرض لمسألة مهمة وهي في غاية الخطورة، ألا وهي: ترك العمل خشية الرياء، وهذه المسألة قد عانى منها كثير من الناس، من السلف والخلف.

فإن الله -تعالى- قد أمرنا بعبادته مخلصين له الدين، وفي النفس نوازع تدعونا إلى الميل عن صراط الله المستقيم، ومن هذا الميل عن الإخلاص، وهنا انقسم الناس من أجل مجاهدة الرياء، وقد اتجهوا اتجاهات مختلفة؛ فريق منهم أراد مجاهدة الرياء حتى يقتلعه من جذوره، فلا يبقى في نفسه ميل البتة إلى الرياء، بل ولا خاطر يدعو إليه، وهؤلاء طلبوا عظيمًا وراموا مستحيلًا "فالناس لم يؤمروا أن يُخرجوا وساوس إبليس أن تعترض في صدورهم، ولم يؤمروا بأن يغيروا خلقهم وطباعهم، حتى تصير لا تنازع إلى معنى من زينة الدنيا من رياء ولا غيره، حتى تكون طبائعهم الحمد فيها مكروه، والذم فيها محبوب" (الرعاية لحقوق الله، للحارث المحاسبي)؛ لم يؤمر العباد بذلك أبدًا، فهذا أمر غير مقدور، والله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، والجهود التي تبذل في غير مكانها جهود ضائعة، لا تعود على صاحبها بفائدة.

ولا شك أن بعض الأمور التي دعانا الله إليها مكروهة للنفوس كما قال -تعالى-: (كُتِبَ عَليْكُم الْقِتَال وهُوَ كُرْهٌ لكمْ) (البقرة:216)، وبعض الأمور التي نُهينا عنها محبوبة للنفوس كما قال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) (فاطر:6)، فحب المعاصي من الرياء والشهوات لا إثم فيه، وكراهية فعل بعض المأمورات لا إثم فيه، وقد أوضح ابن عبد السلام هذه المسألة فقال: "وليس حب الرياء ولا غيره من جميع المعاصي معصية، فإن أطلق عليه اسم الرياء كان ذلك مجازًا من تسمية السبب باسم المسبب، وكل شيء حرمه الله -تعالى- فلا يأثم مشتهيه بشهوته، وإنّما بعزمه عليه وإرادته، ثم بملابسته".

ومن هنا جاءت هذه المسألة: هل حب المعصية مع تركها لله لا يجوز؟ أم يُعد نفاقًا؟

والجواب: إن محبة المعصية -مع عدم فعلها- إن كانت هذه المحبة لا تستقر في القلب، بمعنى أن صاحبها ينازعها ويجاهد نفسه في تركها، وفي تحقيق محبة الله، فهو على خير وجهاد، لا على إثم ونفاق.

قال ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد: "وَقد كتبُوا إِلَى عمر بن الْخطاب يسألونه عَن هَذِه المسالة أَيّهمَا أفضل: رجل لم تخطر لَهُ الشَّهَوَات وَلم تمر بِبَالِهِ، أَو رجل نازعته إِلَيْهَا نَفسه فَتَركهَا لله؟ فَكتب عمر: أَن الَّذِي تشْتَهي نَفسه الْمعاصِي وَيَتْرُكهَا لله -عز وَجل- مِن الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مغفرة وَأجر عَظِيم"، إلى أن قال: "صَاحب خواطر الشَّهَوَات والمعاصي كلما مرت بِهِ فَرغب عَنْهَا إِلَى ضدها ازْدَادَ محبَّة لضدها ورغبة فِيهِ، وطلبًا لَهُ وحرصا عَلَيْهِ، فَمَا ابتلى الله سُبْحَانَهُ عَبده الْمُؤمن بمحبة الشَّهَوَات والمعاصي وميل نَفسه إِلَيْهَا إِلَّا ليسوقه بهَا إِلَى محبَّة مَا هُوَ أفضل مِنْهَا وَخير لَهُ وأنفع وأدوم، وليجاهد نَفسه على تَركهَا لَهُ -سُبْحَانَهُ-، فتورثه تِلْكَ المجاهدة الْوُصُول إِلَى المحبوب الْأَعْلَى، فَكلما نازعته نَفسه إِلَى تِلْكَ الشَّهَوَات واشتدت إِرَادَته لَهَا وشوقه إِلَيْهَا، صرف ذَلِك الشوق والإرادة والمحبة إِلَى النَّوْع العالي الدَّائِم، فَكَانَ طلبه لَهُ أَشد وحرصه عَلَيْهِ أتم".

وأما إذا استقرت محبة المعصية في قلب العبد، وتلذذت نفسه بذكرها، ولم يجاهد نفسه في دفعها، فهو عاص، ومحبته غير جائزة، والغرض المقصود: أن مجرد الميل والحب لا يحاسَب عليه الإنسان.

وأما الفريق الثاني -وهم مَن نقصدهم بحديثنا-: فعمل عكس ما عمله هؤلاء، فعندما يُدعى إلى فعل خير أو تدعوه النفس إلى عمل خير،  يعرض في نفسه عارض الرياء، فيخشى مِن هذا الخاطر أن يكون، فيُعرض عن العمل خوفًا من الرياء، وهذا قد هرب من شرٍّ ووقع فيما هو أشدَّ منه أو مثله، وقد تنبه العلماء الأعلام إلى هذا المزلق الخطر فحذروا منه.

قال القاضي عياض -رحمه الله-: "ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك"؛ قال النووي -رحمه الله- معلّقًا على كلام القاضي: "ومعنى كلامه -رحمه الله تعالى-: أن مَن عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مُراء؛ لأنَّه ترك العمل لأجل الناس، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب، إلاّ أن تكون فريضة أو زكاة واجبة فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل" (للمزيد: راجع مقاصد الكلفين للدكتور عمر الأشقر).

ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله -تعالى-.