مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (48) آيات من القرآن في ذم القسوة (26)

  • 127

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قوله -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:16-17).

الفائدة الخامسة:

إن عدم الخشوع لذكر الله وما نزل من الحق، وطول الأمد الذي يؤدي إلى الإعراض عن تحكيم الكتاب والسُّنة هو سبب قسوة القلب، وسببٌ للفسق كذلك، كما دلَّت عليه الآيات الكريمة.

 ولقد سبق أن بيَّنَّا أن قسوة القلب إذا تمكنت من قلب العبد؛ حرَّف كلام الله عن مواضعه، وبدَّل الدِّين، وقال على الله ما لا يعلم، وافترى عليه غير ما أنزل وشرع، ونسب إلى الدِّين ما ليس منه، وحرَّم الحلال وأحلَّ الحرام؛ بل وربما صوَّب الكفر وخطَّأ الإيمان، وهو في ذلك كله منتسِب إلى الكتاب، بل وإلى العلم والفتيا!

ومِن أمثلة ذلك: ما ترى ممَن يُصحح ملة مَن يعبد غير الله، ويحكم لمَن مات عليها بالجنة؛ بزعم أنه قُتل شهيدًا في سبيل الله أو الوطن! ويُصحح ملة مَن كذَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويحكم لمن مات على ذلك بدخول الجنة! فانظر كيف تدرَّج الشيطان بالإنسان بسبب القسوة؛ حتى يقول الردة صراحة بتكذيب الشهادتين كلتيهما، فكثير من الناس يُثْبت في الشهادتين ولا ينفي؛ يقول: "الله إله"، ويأبى أن يبطِلَ عبادة غير الله؛ بأن يقول: "لا إله إلا الله"، ويثبت النبوة والرسالة، لكنّه يقبل مَن كذَّبها، ويصحح ملة مَن خالَف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وردَّ دعوته وأمره، باسم التعايش والسماحة!

 ووالله، إن هذا لمَن القسوة العظيمة التي أدَّت إلى الفسق عن الدِّين بالكلية، وما دَخْل السماحة والتعايش بتصحيح ملل الكفار؟!

وهل كان المسلمون في الزمن الأول عندما تعايشوا مع كل مَن ظلَّ على ملته من أهل البلاد المفتوحة -الذين بقيت بقاياهم إلى الآن في كل بلاد المسلمين مِن اليهود والنصارى والمجوس والزردشت والهندوس وغيرهم- هل صححوا ملتهم حين تعايشوا، وحين لم يفرضوا عليهم الدخول في الإسلام؟!

وهذا التحذير القرآني مِن ترك الخشوع، وطول الأمل والقسوة والفسق؛ هو لأجْل تلازم هذه الخصال، وتدرج الشيطان بها، وإن كان الناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا فيها.

وليس كل مَن فقد الخشوع خرج مِن الدِّين، ولكنها خطوات، ودركات، وفتن يقود بعضها لبعض، ويؤدي بعضها إلى بعض، ونكت سوداء وبيضاء تُنْكت في القلب؛ حسب القبول والإنكار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم).

فليحذر كلٌّ منا على نفسه، وليحرص على الخشوع وسائر أعمال القلب حتى لا يستدرجه الشيطان ليلقي به في ظلمات الفسوق والعصيان، ثم الكفر والشرك والنفاق، نعوذ بالله من ذلك.

الفائدة السادسة:

الفسوق نوعان:

الأول: هو الفسق الأكبر بالخروج بالكلية من الدِّين: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (الكهف:50)، وقال الله -تعالى- عن المنافقين: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:80)، وقال -سبحانه وتعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67).

النوع الثاني مِن الفسق -وهو الأغلب في الإطلاق والاستعمال الشرعي- الفسق الأصغر: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:4)، وقال الله -تعالى-: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات:7).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ) (متفق عليه)، فالفسق والكفر في هذا الحديث هو الفسق والكفر الأصغر، لكنَّ الكفر الأصغر أغلظ مِن الفسق الأصغر، كما دلَّ عليه سياق هذا الحديث؛ لأن القتال أغلظ من السِّبَاب.

وأما الكفر الأكبر، والنفاق الأكبر، والفسق الأكبر، والشرك الأكبر؛ فهي أوصاف كلها متلازمة، فمَن كان فسقه فسقًا أكبر؛ فلابد أن يكون كافرًا كفرًا أكبر: كإبليس، والمنافقين المكذِّبين برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يستلزم الشرك الأكبر أيضًا -بخلاف الفسق الأصغر؛ فلا يلزم مِن وصف إنسانٍ بالفسق الأصغر أن يكون كافرًا- فهذه الأوصاف متلازمة، وإن كان النفاق يكون مع ادِّعاء الإسلام، وأما الكفر والشرك فلا يتكلم صاحبه بالإسلام.

اللهم إنا نعوذ بك مِن العجز والكسل، والجبن والبخل، والكفر والفقر، والشرك والشك، والنفاق والفسوق، والشقاق وسيئ الأخلاق، والرياء والسمعة، والقسوة والغفلة، والذِّلة والعَيْلة والمسكنة، والعمى والصمم، والبكم والبرص، والجنون والجذام، وسيئ الأسقام.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.