الفساد (72) لا للعنف... لا للخشونة في ممارسة الرياضة

  • 100

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن الغرض مِن ممارسة الرياضة هو بناء البدن بناءً صحيًّا، فيتمتع ممارس الرياضة بالقوة واللياقة البدنية والعافية؛ هذا إلى جانب ما في ممارسة الرياضة من الترويح والترفيه ودفع الملل والسأم عن النفس، مع ما فيها من تكوين الصداقات مع الآخرين ممن يشاركون الممارس في نفس اهتماماته الرياضية، وكل هذا يعود على الفرد بالنشاط والحيوية، وينمي فيه القدرة الكبيرة على العمل والإنتاج والعطاء المستمر، بل والتحصيل والفهم والابتكار، فالعقل السليم تكمل سلامته بسلامة البدن ووجود النفس السوية واعتدال المزاج، وممارسة الرياضة بأنواعها هي السبيل القويم لتحقيق ذلك.

ممارسة الرياضة والعنف فيها:

نظرًا لما يتمتع به الرياضيون من الصحة والعافية، ونظرًا لما يخوضونه من المنافسات والمسابقات في الألعاب الجماعية سواء باستخدام الكرة كما في كرة اليد وكرة السلة وكرة القدم، أو كانت بدون استخدام الكرة كما في المصارعة والكاراتيه والجودو وغيرها، فإن الحماسة والحرص على الفوز وإظهار القوة والمهارة والتفوق على الآخرين، قد يوقع البعض في عنفٍ مقصودٍ أو غير مقصودٍ، ويجعل اللجوء إلى الخشونة سبيلًا لتحقيق الفوز، بل قد يكون وسيلة لتعويض النقص في المهارات والإمكانيات في مواجهة مَن هم أعلى مهارة وإمكانيات بدنية أو تكتيكية.

وهذا العنف وهذه الخشونة -بلا شك- سلبية من السلبيات التي يجب البُعد عنها؛ لما فيها من إيذاء للآخرين -تعمدًا كان أو بغير تعمد- مع القدرة على اجتنابه، وشتان بين الجدية في الأداء وإظهار القوة التي يتمتع بها الرياضي وارتفاع لياقته وبين إيذاء الآخرين في أبدانهم إيذاءً يفضي إلى إصابات وجروح وكسور، بل وربما عاهات تقعد المنافس عن ممارسة الرياضة بصفةٍ مؤقتةٍ لحين الشفاء منها، أو بصفة دائمة؛ لما تركته من أثرٍ لا يزول بالكلية، وهي في الحقيقة -بصرف النظر عن نية مرتكبها- قد تعرض أو ينبغي أن تعرض المتسبب فبها للمساءلة الجنائية، واحتمالية القصاص؛ حفاظًا على حق المصاب وتعويضًا له عما أصابه، والأصل في ممارسة الرياضة تفادي العنف والخشونة، بل والحرص كل الحرص على سلامة المنافسين مهما كانت الظروف والأحوال.

الإسلام يرفض العنف:

معلوم أن الإسلام يحرِّم على المسلم -وبشدة- إيذاء الآخرين والتعدي عليهم، ويوجب عليه اتخاذ التدابير والاحتياطات التي تمنع ذلك حتى مع انتفاء نية تعمد الإيذاء أو العنف، وهي أخلاق يجب أن ترتبط بممارسة الرياضة الجماعية غاية الارتباط بمنع كل ممارسة رياضية فيها إيذاء للآخرين، بل بمنع ممارس الرياضة الجماعية من هذه الممارسة إن كان ممن لا يقدر على كبح جماح نفسه حال الاندماج في اللعب من اللجوء إلى الخشونة والممارسة العنيفة التي يتكرر منه فيها إيذاؤه للآخرين، بل ومحاسبته جنائيًّا على ما يحدثه من إصابات وجروح وكسور تتكرر منه كثيرًا مع منافسيه.

قال -تعالى-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:88)، وقال -تعالى-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215)، وقال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10).

وفي الحديث: أن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) (متفق عليه)، ومثلها بالطبع القدم في كرة القدم.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) (متفق عليه)، وعنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) (رواه مسلم)، وعنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) (رواه مسلم).

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا -أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ-، أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ) (متفق عليه)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّار) (متفق عليه)، وفي رواية عند مسلم قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ)، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

المصارعة الحرة:

المصارعة رياضة من الرياضات القوية القديمة في تاريخ العالم، والصرع هو الطرح أرضًا، فهي صراع بين اثنين يحاول كل منهما أن يصرع صاحبه، أي: يطرحه أرضًا، وهي اليوم رياضة شهيرة لها حلبة، وهي عادة فراش من المطاط اللين على شكل مربع أو مسدس الأضلاع، ويشهدها حكم يدير المصارعة، وقاضي يحتسب النقاط، ومراقب للوقت، حيث تستمر المصارعة لفترة زمنية محددة الفائز فيها من يجمع أكثر النقاط أو يستطيع تثبيت منافسه أرضًا مع لمس كتفيه لرض الحلبة مدة تزيد عن ثانيتين.

والمصارعة جائزة غير محرمة عند جمهور أهل العلم لما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صارع ركانة بن عبد يزيد، فصرع النبي ركانة أكثر من مرة، والحديث رواه أبو داود (4078) والترمذي (1/329) والحاكم (3/ 452) والبيهقي (10/18) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (5 / 329)؛ فدل على إباحة المصارعة، وعلى أن المصارعة لا تنافي الوقار والشرف والعلم والفضل وعلو السن (راجع: المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية، د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري -ط. دار الحبيب- الرياض ط. الثانية - 1420 هـ - 2000 م).

وتعلم المصارعة والتدرب عليها وممارستها مطلوبة؛ لما فيها مِن قوة وتدريب على القوة والتقوي على الجهاد، وهذه المصارعة المحثوث على تعلمها هي ما كان منها خاليًا من ضرر ومحرم.

أما المصارعة التي يمارسها المصارعون المحترفون وتعرف باسم: (المصارعة الحرة) أو (مصارعة المحترفين): فهي مصارعة وحشية فيها تعمد إلحاق الضرر بالخصم بأقصى درجة ممكنة، (فمن رآها يرى غالبًا وحوشًا بشرية تخلت عن كل المبادئ الخيرة، فلا شك أنها بهذه الصورة محرمة؛ لما فيها من كشف العورات (إذ الفخذان عورة مخففة يحرم كشفها عند جمهور العلماء) وجلب للمضرات، فضررها أكثر من نفعها.

وبناءً على ذلك: فمِن المحتم على المسلمين أن يجنبوا أبناءهم المصارعة بهذا الشكل المفزع، وأن يتجنبوا عرضها عليهم بهذه الصورة؛ لأن في ذلك إعطاء صورة سيئة للعبة المصارعة، والله أعلم) (المصدر السابق، ص 168).

الملاكمة:

الملاكمة رياضة بدنية تقوم على اللكم باليدين، سواء ملاكمة هواة أو ملاكمة محترفين، واللكم هو الضرب باليد مجموعة، لكمه: ضربه بجميع كفه. وقد نظمت رياضة الملاكمة في إنجلترا في القرن الثامن عشر الميلادي، ووضعت قواعدها تباعًا، وطبقت في كل مكان منذ عام 1891م.

وفيها يتلاكم المتنافسان في حلبة معدة لذلك، مع استعمال قفازين وارتداء حزام واقي حول البطن، ووضع قطعة من الكاوتشوك بين الأسنان لحمايتها، ذلك في وجود حكم، ومدرب لكل ملاكم، وقاضي ومراقب للوقت.

وتتكون المباراة من جولات متفق عليها، تستمر كل جولة لدقائق معدودة متفق عليها، بين كل جولتين وقفة للاستراحة والعلاج السريع للإصابات إن وجدت، وتلقي التوجيهات من المدرب.

والفائز من الخصمين مَن يحصل على أعلى النقاط في نهاية الجولات كلها، أو من ينجح في تحقيق الضربة القاضية قبل انتهاء الجولات، أو ينسحب منافسه من اللقاء قبل انتهائه، أو يقوم مدربه برمي منشفته لما يراه من تردي حالة لاعبه الذي يدربه.

ولعبة الملاكمة لا تجوز، فهي محرمة، (لما يترتب عليها من الخطر العظيم على اللاعبين أو أحدهما، إذ كل يحرص على إصابة صاحبه باللكمات، وكثيرا ما يحدث إغماء، وقد يحصل كسور في العظام أو خدوش أو جروح، والله -سبحانه- يقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195)، ويقول -سبحانه-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء:29)، (ويدل على تحريم الملاكمة الحديث المرفوع: (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) (متفق عليه)، وهذه اللعبة قائمة على ضرب الوجه) (راجع المصدر السابق، ص 171).

فالملاكمة (تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاءً بالغًا في جسمه)، (دون مسئولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى، وهو عمل محرم مرفوض كليًّا وجزئيًّا في حكم الإسلام) (انظر: "كرة القدم وأخواتها"، لأبي ذر القلموني - ط. دار ابن الجوزي القاهرة - ط. أولى عام 1432 هـ، ص 132- 133).

ومن المعروف أن أشهر ملاكم في تاريخ الملاكمة وهو الملاكم "محمد علي كلاي" قد أصيب بمرض (الرعاش) بعد اعتزاله، وأرجع الأطباء أن من أسباب المرض ما تلقاه من ضربات خلال ممارسته للعبة الملاكمة العنيفة.

مصارعة الثيران:

مصارعة الثيران صورة مِن صور الرياضة البدنية المعتادة في بعض البلاد الأوروبية، وتعرض من خلال برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية.

وتقوم اللعبة على مهارة المصارع وبراعته في استخدام السلاح في مواجهة أحد الثيران الهائجة بعد استفزازه، وهي (محرمة شرعًا في حكم الإسلام؛ لأنها تؤدي إلى قتل الحيوان تعذيبًا بما يغرس في جسمه من سهام، وقد تؤدي هذه المصارعة إلى أن يقتل الثور مصارعه، وهذه المصارعة عمل وحشي يأباه الشرع الإسلامي الذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) (متفق عليه)، فإذا كان هذا الحبس للهرة يوجب دخول النار يوم القيامة؛ فكيف بحال من يعذب الثور بالسلاح حتى الموت؟!) (راجع المصدر السابق، ص 133-134).

كرة القدم والخشونة:

لعبة كرة القدم من الألعاب الجماعية التي تستخدم فيها الكرة، ولكنها تقتصر على استعمال القدمين -أو الرأس- في توجيه الكرة، فتختلف عن سائر الألعاب الجماعية الأخرى التي تستخدم فيها اليد في توجيه الكرة كما في كرة اليد وكرة السلة، والكرة الطائرة وكرة الماء، ونحوها، ومعلوم أن قدرة تحكم اللاعبين في لعب الكرة باليدين أكبر، أما قدرة تحكم اللاعبين في لعب الكرة بالقدمين حال الحركة والجري فأقل؛ لذا فالإصابات في لعبة كرة القدم أكثر وأشد عند تلاحم اللاعبين بالأقدام بقوة أو التداخل فيما بينهم حال الوقوف أو الجري والاشتراك في التنافس على استخلاص الكرة من بين أرجل الآخرين أو الوصول إلي الكرات العالية في الهواء بالرأس قبل المنافسين مما يترتب عليه -خاصة حال استخدام العنف واللجوء إلى الخشونة- إلى اصطدام الأرجل والأقدام والرؤوس.

ويزيد الأمر سوءًا: حماسة الشباب وشدة المنافسة وتشجيع الجماهير، والحرص الشديد على الفوز والتميز؛ لذا يميل الكثيرون خاصة من المدافعين على الاتصاف بالخشونة في مواجهة مهاجمي الخصم؛ لذا تكاد لا تخلو مباراة من مباريات القدم من حصول لاعب أو أكثر على إنذار بالطرد، أو بالطرد الفعلي من المباراة، نتيجة الأخطاء المتعمدة نحو الخصم أو الخشونة غير المبررة أو العنف المبالغ فيه أو إيذاء المنافسين ونحو ذلك، ولا تخلو بطولة من البطولات من إصابة لاعبين -خاصة من المحترفين- بكسر أو شرخ في العظام أو جرح أو قطع في الرأس أو البدن أو تمزق في العضلات أو الأربطة تبعده عن ممارسة اللعبة لمدة أسابيع أو شهور، بل وتؤثر على مستواه بعد العودة من الإصابة نتيجة تعمد الخشونة أو استخدام العنف في المباريات.

وهذا واقع معلوم وأمر مشاهد لا سبيل إلى إنكاره، وللأسف يتم التغاضي عنه وعن عواقبه، فلا محاسبة ولا قصاص على ارتكاب هذه الجنايات؛ خاصة المتعمدة بوضوح، أو غير المبرر منها، وهو كثير، وكلها مخالفات لا علاقة لها بالتربية الرياضية من قريب أو بعيد، بل هي كافية في منع مسابقاتها ومنافساتها والاحتراف فيها والتمادي في زيادة أعداد جماهيرها ومشجعيها ومتعصبيها؛ لكون ذلك كله من أشد المحفزات على ممارسة اللاعبين للعنف والخشونة، خاصة وقد حولت هذه المسابقات لعبة كرة القدم إلى حرفة يتكسب منها اللاعبون بالملايين ويجنون من ورائها شهرة، وتسلط عليهم بسببها الأضواء، فتجد صور اللاعبين وأخبارهم ونتائج مبارياتهم تتصدر الصحف والمجلات من الغلاف إلى الصفحات الداخلية.

فإن أبى القائمون على شئون اللعبة إلا الاستمرار في مسابقات كرة القدم وبطولاتها، واستمرار احتراف لاعبي كرة القدم؛ فعلى الأقل يمنع مَن يتصف بالعنف والخشونة وتكثر أخطاؤه المتعمدة والإصابات التي يحدثها في منافسيه من اللعب في مسابقاتها بالكلية، لا في مباراة أو اثنين، ويحاسَب جنائيًّا وقانونيًّا على ما يرتكبه من إصاباتٍ متعمدةٍ أو متكررة في حق الأخرين، حتى يرتدع هو وأمثاله، ونحفظ لممارسة الرياضة أخلاقها وآدابها والالتزام بها.

كرة القدم والعنف:

يحفل تاريخ لعبة كرة القدم دون غيره من الألعاب الجماعية بأخبار الإصابات الخطيرة والكسور الشديدة والتي أنهى بعضها تواجد المتعرضين لها في الملاعب، كما أنها كانت وراء آثار كثيرة ترتبت عليها نتائج منتخبات وطنية وفرق محلية، وضياع بطولات ومسابقات، وهي أخبار يصعب حصرها إذ تحتاج لمجلدات إذ إن تاريخ لعبة كرة القدم الرسمي عريق، فقد تأسس أول نادي لكرة القدم في إنجلترا عام 1857م، وهو نادي (شيفيلد يونايتد) الإنجليزي (انظر: "لعبة الحروف وكرة القدم"، إعداد حسن فارس - ط. أولى 1994م - 1414 هـ - طبعة مطابع روز اليوسف الجديدة، ص 136).

ونأخذ مِن ماء هذا البحر قطرات عالمية ومحلية:

- يعد (توني شوماخر) حارس منتخب ألمانيا صاحب أشد وأشهر إصابة أحدثها لاعب في تاريخ كرة القدم، وهو من مواليد عام 1954م، لعب لنادي (كولون) منذ عام 1972م، وانضم لمنتخب ألمانيا عام 1980م، وفي بطولة كأس العالم بأسبانيا عام 1982م وفي مباراة فرنسا وألمانيا انفرد المهاجم الفرنسي (باتيستون) بالحارس الألماني، فضربه الحارس ضربة عنيفة نقل اللاعب الفرنسي على أثرها إلى المستشفى!

والغريب: أن حكم المباراة الهولندي واسمه (كورفر) لم يطرد حارس المرمى من المباراة بينما خرج المضروب منها مصابًا، وقد أطلقت الجماهير على الحارس يومها اسم: (وحش الغابة!).

ومِن بشاعة الإصابة عرض حارس الألماني دفع تكلفة علاج اللاعب الفرنسي، وصمم على تحمل نفقات تركيب أسنان جديدة لضحيته، وقد أرغم هذا الحارس على الاعتزال بعد صدور قرار بوقفه عن اللعب مدى الحياة؛ بسبب كتاب أصدره ذكر فيه تفاصيل الحياة الخاصة للاعبي المنتخب الألماني (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 140).

- يعد اللاعب (برايان روبسون) من مواليد عام 1957م، صانع ألعاب نادي (مانشستر يونايتد)، ومِن أكثر لاعبي العالم تعرضًا للإصابات، ولكنه ظل رغم إصاباته الكثيرة لاعبًا فعالًا في المنتخب الإنجليزي؛ لذا أطلق عليه: الكابتن المعجزة.

كان لاعبًا قوي البنية، رياضي التكوين، يلعب المباراة بلا كلل طوال 90 دقيقة فيكون في أولها كآخرها، عاش بعيدًا عن الملاعب والأضواء لفترة بعد إصابته عام 1976م، ثم عاد للملاعب فأصيب بخلع في كتفه منعه من الاشتراك في كأس العالم عام 1986م، ثم عاد ليقدم عروضًا متميزة في كأس الأمم الأوروبية في ألمانيا الغربية عام 1988م، ثم شارك في مونديال إيطاليا عام 1990م، ثم اختاره مدرب المنتخب الإنجليزي (بوبي روبسون) ليقود منتخب إنجلترا في كأس العالم عام 1994م بعد تغيير مركزه من وسط الملعب إلى قلب الدفاع، فكان رغم كبر سنه أفضل لاعب في بريطانيا في زمانه (انظر المصدر السابق، ص 107 - 108).

وقد منعت الإصابة لاعب الكرة البرازيلي الشهير (بيليه) الملقب بالجوهرة السوداء من مشاركة منتخب بلاده في بطولة كأس العالم عام 1966 م بإنجلترا، والتي فازت إنجلترا بها، وهي المرة الوحيدة التي حصل فيها المنتخب الإنجليزي على بطولة كأس العالم، بينما شارك بيليه في بطولة كأس العالم عام 1958م وكان عمره 16 سنة، وشارك في بطولة عام 1962م، ثم قاد منتخب البرازيل للمرة الثالثة في بطولة عام 1970م، وفازت البرازيل في هذه البطولات الثلاث التي شارك فيها، فأحرزت كأس (جول ريميه) فيها واحتفظت به إلى الأبد. (انظر المصدر السابق، ص 49-50).

- وفي مصر عرف فريق الترسانة في الستينيات باسم: (فريق الشواكيش)، وهو أول فريق في مصر عامة وفي القاهرة خاصة يحصل على بطولة الدوري المصري في الستينيات ليوقف احتكار الأهلي والزمالك لبطولة الدوري العام لسنوات طويلة.

- وفي الإسكندرية اشتهر لاعب نادي الاتحاد السكندري المعروف باسم: (بوبو) بالخشونة في لعبه الذي كان يصفه البعض بالأداء الرجولي واللعب الفدائي، وهذا فهم وعرف غير مستبعد ممن يصف لاعبي الكرة بالمقاتلين والمحاربين، ومبارياتهم بالمعارك والحروب، وكأننا في ساحة قتال لا في ملعب رياضي!

ومن أشهر صور خشونته: الإصابة التي ألحقها بمهاجم النادي الأهلي المعروف (محمود الخطيب)، حيث انقض عليه بقوة غير مبررة في كرة عالية مشتركة في منتصف الملعب رافعًا قدمه إلى مستوى كتف الخطيب؛ مما تسبب في كسر عظمة الترقوة أعلى صدر الخطيب، وهي الإصابة التي منعت الخطيب من استكمال المباراة، ومنعته من الاشتراك الكامل والفعال لعدة مباريات بعدها، وبالطبع تسببت في طرد (بوبو) من المباراة.

- وفي الزمالك: أطلق أحد مشاهير النقاد الرياضيين بجريدة الأهرام على مدافع فريق الزمالك أحمد رفعت لقب (أحمد اضرب!).

وفي الدول المهووسة بكرة القدم امتد العنف بين الجماهير والمشجعين ليصل إلى إرسال المشجعين رسائل تهديد بالقتل لبعض اللاعبين المميزين المشهورين -أو لعائلته-؛ لدفعه خوفًا وفزعًا إلى ترك المشاركة في مباراة مهمة وحاسمة أو بطولة مفضلة ليتسنى للفريق المنافس الفوز بها!

- ومِن أشهر الأقاويل التي ذُكرت في ذلك: ما ذكر عن تلقي اللاعب الهولندي (يوهان كرويف) من تهديدات بالقتل حال مشاركته في مونديال الأرجنتين عام 1978 م. وكرويف من مواليد عام 1947م، لعب لنادي (آياكس أمستردام) من عام 1964م، ثم للمنتخب الهولندي بعد عام واحد، لُقب بـ(الهولندي الطائر) حيث امتاز بالرشاقة والقدرة على المراوغة بخفة والعدو كالفهد، مع الأداء السهل الممتع، وكان يعد العقل المفكر للمنتخب الهولندي، فاز مع نادي (آياكس) بالدوري الهولندي 7 مرات، وبكأس بطل أندية العالم مرو واحدة، كما حصل على جائزة الكرة الذهبية كأحسن لاعب في أوروبا ثلاث مرات، في أعوام: 1971 و73 و74.

انتقل إلى نادي برشلونة الأسباني، ثم لعب في أمريكا قبل أن يعود إلى نادي (آياكس) ليختم حياته الكروية فيه، برز وبشدة مع المنتخب الهولندي في بطولة كأس العالم 1974م، وأشاد به الجميع، لكنه لم يشترك مع فريقه في مونديال 1978م، ويُقال: إنه تلقى أكثر من تهديد بالقتل حال اشتراكه فيها! (راجع في ذلك: "لعبة الحروف وكرة القدم"، ص 282-283).