وقفات مع قصة أصحاب الكهف (12)

  • 119

وقفة إيمانية: أثر الإخلاص في بركة الأعمال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

- فهذه هي الوقفة الأخيرة التي نختم بها وقفاتنا مع هذه القصة العظيمة، قصة أصحاب الكهف، وهي: "أثر الإخلاص في بركة الأعمال.

- إن الإخلاص في العمل يجعل القليل كثيرًا، وهذا هو معنى البركة: النماء والزيادة.

وهذا ظاهر في قصة أصحاب الكهف، فإن المتأمل يجد: أن دعوة الفتية، دعوة الشباب، دعوة أصحاب الكهف كانت دعوة مباركة، فإنها لم تتجاوز أيامًا، وعلى أحسن الأحوال شهرًا أو شهورًا قليلة، فإنه كما يفهم مِن القصة أنهم اتفقوا على عبادة الواحد الأحد (عقيدة التوحيد) وترك عبادة غيره -سبحانه- (الشرك)، الذي كان عليه قومهم، فقاموا يعبدون الله -عز وجل- فيما بينهم، فلما سمع بهم قومهم وشووا بهم عند الملك، كما دارت القصة بعد ذلك، فدعوتهم ما جاوزت أيامًا، ولكن انظر إلى عظيم أثرها وبركتها حتى يحكيها الله -سبحانه وتعالى- العظيم في أعظم كتبه، بل ويسمي السورة التي نزلت فيها القصة بسورة الكهف، مع أن السورة مشتملة على أربع قصص غيرها، ومع كون عملهم وزمن إيمانهم كان يسيرًا، لكن كان له أثر عظيم، وهو أن القرية أو المدينة آمن أكثر أهلها، فإنهم ما تركوا القرية حتى جعل أهل القرية يتكلمون في أمرهم ويتحدثون، فآمن أكثر أهل القرية.

ثم انظر إلى أثر القصة مَن بعدهم على مرِّ الزمان في الأمم؛ لا سيما أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكما ذكرنا في بداية القصة أن السورة مكية، نزلت وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يعذبون ويفتنون ويبتلون ابتلاءً شديدًا، فجاءت القصة فيها تشير إلى الصبر والثبات والاستعداد للهجرة، وأن الله -سبحانه وتعالى- سيجعل لهم مخرجًا، وأنهم إذا هاجروا سيجعل لهم مخرجًا كما جعل لأصحاب الكهف مخرجًا، فانتفع بها أصحاب محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أعظم الانتفاع.

ولذلك وجدنا النماذج العظيمة كما سلف: كمصعب بن عمير -ابن الأثرياء- الذي ترك الغنى والمال لما حال بينه وبين عقيدته، وكسعد بن أبي وقاص الذي فارق أمه وهاجر، مع عظيم بره لما حالت بينه وبين عقيدته، وغيرهم وغيرهم الكثير.

وانظر إلى أثر عمل الفتية الذي لم يتجاوز أيامًا على أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- عمومًا من بعدهم، فلا يزال المؤمنون على وجه الأرض ينتفعون بهذه القصة، ويأخذون منها الدروس والعِبَر.

- فسبحان الله! عمل يسير لكن بعظيم الإخلاص بارك الله فيه، وجعل أثره في البشرية يستمر الزمان الكثير، هكذا الإخلاص يجعل البركة في الأعمال فيجعل القليل كثيرًا، ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: دعوة غلام الأخدود، إن دعوته لم تكن إلا أيامًا قليلة، ولكنها خلفت من بعده آثارًا عظيمة كثيرة!

- وكذلك كانت دعوة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- لمكة المكرمة، يوم وقف على جبل من جبال فاران وقد ترك ولده وأم ولده عند بيت الله عز وجل، ودعا بدعوة لم تتجاوز في زمانها دقيقة واحدة: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37)، فإذا بكل شيء يتحول ويتغير، حياة بعد موت، أمن بعد خوف، ثمر بعد جدب، حركة بعد سكون!

- كان أثرها في مكة تراه إلى يومنا هذا، جعلها الله عامرة على الدوام، كان ذلك بدعوة لم تستغرق دقيقة واحدة، وهذا لعظيم الإخلاص، وهكذا الأعمال الصالحة المصحوبة بالإخلاص يبارك الله -عز وجل- فيها، ويجعل الله فيها آثارًا عظيمة.

لقد كانت قصة أصحاب الكهف مليئة بالدروس والعِبَر الكثيرة، وقد وقفنا على كثيرٍ منها، فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا وإياكم بما قلنا.

والحمد لله رب العالمين.