لحظة... قبل أن تطلق! (1)

  • 246

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فمع هذا الإنتشار المروع لظاهرة الطلاق في المجتمع المصري بالقدر الذي باتت معه مصر أولى الدول عالميًّا في معدلاته بما ينذر بكارثة متعددة الآثار والجوانب، فقد رصدت إحصاءات جهاز التعبئة والإحصاء نسب الطلاق في مصر في الأعوام الأخيرة (حتى عام 2015) حالة طلاق كل أربع دقائق، أغلبها فى الفئة العمرية من (20ـ 34 سنة) بنسبة تجاوز الـ 60% من حالات الطلاق، وأغلبها في السَّنة الأولى من الزواج.

 كما رصدت الإحصاءات الرسمية: أن المحاكم المصرية شهدت تداول نحو أربعة عشر مليون قضية طلاق عام 2015 يمثِّل أطرافها نحو 28 مليون نسمة، أي: بما يقرب من ثلث تعداد سكان مصر آنذاك؛ فمن هنا كانت هذه الكلمات بين يدي هذه الظاهرة التي عمت وطمت، وضربت جنبات المجتمع ونالت من كل طبقاته، فلم تستثنِ من ذلك أحدٍ.

مقدمة:

خلق الله -تعالى- الخلق لحكمة بالغة وغاية سامية؛ ألا وهي تحقيق العبودية له وحده -جل وعلا-، فقال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وحتى يسهل على العباد تحقيق هذه الغاية على النحو المرضي عند الله -تعالى-، وكان تحقيق هذه العبودية يحتاج إلى الجو الإيماني المناسب والمناخ الصالح للعبادة، فقد هيأ الله -تعالى- لعباده مِن أسباب السكن والهدوء والاستقرار ما يعينهم على تحقيق هذه الغاية السامية والوظيفة العالية.

ومن بين هذه الأسباب:

1ـ جعل الله -تعالى- الليل محلًّا للسكينة لينال به العباد قسطًا من الراحة، وتنقطع فيه أعمالهم لتنشط هممهم على مواصلة السعى وتحقيق العبودية لله -تعالى-، قال -تعالى-: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) (الأنعام:96)، وقال -عز وجل-: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) (غافر:61).

وجعل ذلك منه رحمة بالعباد: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (القصص:73)، وجعلها آية من آياته -جل وعلا-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (يونس:67)، وقال -تعالى-: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النمل:86).

وهى بذلك نعمة تحتاج إلى شكر المنعم: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (غافر:61)، وعرّف عباده بهذه النعمة وذكّرهم بها بأن يتخيلوا لو نزعت منهم نعمة الليل الذي هو محل سكنهم وقطع أشغالهم كيف يكون عيشهم وحياتهم: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (القصص:72)، والمعنى: قل لهم: أخبروني إن جعل الله عليكم النهار دائمًا إلى يوم القيامة، مَن إله غير الله يأتيكم بليل تستقرون وتهدؤون فيه؟! أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار؟! (التفسير الميسر).

2ـ جعل الله -تعالى- البيوت محلًّا لسكن الإنسان وإيوائه، نعمة منه وفضلًا على عباده كما في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقال -تعالى- في معرض الإمتنان على عباده: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) (النحل:80).

3ـ جعل الله -تعالى- لهذه البيوت الزوجات الصالحات اللائي يمثلن ركن السكينة الأعظم فى حياة الزوج المسلم والأسرة المسلمة، قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، وقال -عز وجل-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف:189).

ولتحقيق عناصر السكينة كلها شرع الله -تعالى- لعباده الزواج، وجعله آية عظيمة من آياته، وطريقة طاهرة لتكاثرهم وتناسلهم بهذه الصورة الشريفة العفيفة المحفوظة، وذلك تلبية لنداء الفطرة وتهذيبا لغرائز البشر وشهواتهم، وتأسيسًا مصونًا لكيان الأسرة التي هي اللبنة الأولى فى بناء المجتمع، والتي بصلاح مجموعها صلاح للمجتمع بأسره، فاهتم الإسلام ببناء هذا الكيان الشامخ منذ الخطوات الأولى لاختيار الزوج والزوجة اللذين هما طرفا هذه العلاقة الطاهرة والعفيفة، وقد أضفى عليها قدسية وتشريفًا، ولا أدل على ذلك من تسميته عقد الزواج بـ(الميثاق الغليظ)، قال -تعالى-: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء:21).

قال الشوكانى -رحمه الله- في تفسيره المسمَّى (فتح القدير): "قوله: (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)... وقد أخذن منكم ميثاقًا غليظًا، وهو عقد النكاح، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله".

إلا أن الحياة الزوجية لا تخلو من مشكلات ومنغصات كبرت هذه المشكلات أو صغرت، عظمت أو حقرت، ومع تعدد أسبابها ودوافعها (سلوكية - إجتماعية - أسرية - مالية - سياسية - ... )، فتارة تكون المشكلة بسبب سلوكيات من أحد الزوجين أو منهما معًا، أو كان السبب من أبنائهما أو تدخلات الأهل بينهما، أو بسبب النفقة أو غير ذلك من الأسباب؛ فكيف التعامل مع هذه المنغصات والعقبات فى طريق البحث عن حياة زوجية فاضلة، ومن أجل المحافظة على كيان الأسرة شامخًا ثابتًا كمقصدٍ مهمٍّ مِن مقاصد الشريعة ليعان الجميع على طاعة الله -تعالى-، ويعاد المسير إلى الله من جديد؛ لتحقيق العبودية التى من أجلها خلق الله الخلق.

هذا ما نتناوله في المقال القادم -بمشيئة الله-.