داء الحرج!

  • 128

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن موجات الهجوم على الشريعة الغراء باتت عالية ومتلاحقة، ما يكاد المرء يرفع رأسه حتى تلحق به أخرى؛ مما أصاب البعض من شدة الهجمات وتلاحقها، بل وتنوع مجالاتها وميادينها، أن يسلِّم رايته لعدوه، ويتنازل عن بعض عتاده تجنبًا لسهام مبغضه، فتكَوَن مرة بعد أخرى حرجًا من نسبته أو منهاجه أو سمته يشبه الران الذي يعلو القلب، وهذا الحرج بات يحوله بعد إذ تحول عن معينه، فظهر فقره الذي لا ظهير له، وانكشف ضعفه الذي لا مقوي له، وأصبح الذليل فاقد العز الذي توهم تحصيله بترك منهجه، قال -تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر:10).

هذا بيان للماكر والممكور به ومَن يدبر الأمر وينفِّذ مراده!

فقطع على كل قلب التفاتًا لغيره، وافتقارًا لسواه، فمَن تخبط قلبه بين الفقراء أصاب الذل ولم يرفع رأسًا بعزٍّ يومًا، بل صيروه منافقًا مرتجفًا يحسب كل صيحة عليه، قال -سبحانه-: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8)، هذه تذكرة للنفس في أزمنة تضاعف فيها الأجر للعاملين كما تضاعف البلاء وانتشر، وتأمل هذا، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ)، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) (رواه ابن نصر في السُّنة، وله شواهد من طريق ابن مسعود وأبي ثعلبة الخشني، وقال الترمذي: حسن).

فهذا وصف السنين بالصبر، وهذا جزاء العاملين بالفضل، والمعين هو الله، والابتلاء يقارنه الصبر من الله، كما قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ المَعونَةَ تأْتِي مِنَ الله على قدْرِ المَؤُنَةِ، وإنَّ الصبرَ يأتي مِنَ الله على قَدْرِ البَلاءِ) (رواه البزار، وصححه الألباني).

فهذا الحرج داء يصيب العامل غير المتسلح، ويجعله عرضة لاكتساحه، فما حقيقته؟

وما أسبابه؟

هذا سؤال نحاول الإجابة عليه، ذاكرين حالًا غير مأمون، وقلبًا غير مضمون، فاستعانتنا أوثق عملنا، وافتقارنا سر عزنا، وتمسكنا علة ثباتنا، (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ . وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ . حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ . وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ . أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ . فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزخرف:36-44)، هذا تذكير ومقدمة بين يدي هذا البلاء.

 فالحرج: أصله الضيق، قال -سبحانه-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)، قال الزجاج: يُروى عن ابن عباس أنه قال: "الْحَرَج موضع الشجر الملتف"، وأهل اللغة أيضًا يقولونه: الشجر الملتف يقال له: الْحَرَج. والحرج في اللغة: أضيق الضيق.

والذي قاله ابن عباس صحيح حَسَنٌ، فالمعنى عند أهل اللغة إنَّه ضيق جدًّا. وفسِّر بالشك، والخجل البغيض من حكم الله وشرعه هو التوصيف الواقعي، وله درجات وأحوال وتأويلات، وأسباب تناولها في قادمٍ -بإذن الله-.

والله أسأل أن يثبتنا على ما هدانا إليه، وأن يستعملنا في طاعته.

والحمد لله رب العالمين.