نور الله باق

  • 99

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زال أعداء الإسلام منذ بعث الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، يكيدون له، ويحاولون القضاء عليه بكل ما أوتوا من قوة، ولقد حذَّرنا ربنا -عز وجل- من مكائدهم، وبيَّن لنا أنهم لا يألون جهدًا في طلب الإضرار بنا، وإن تظاهروا لنا بالمودة والصداقة، ولا يزالون يعملون ويجتهدون ويبذلون أقصى ما في وسعهم لكي يطفئوا نور، وهيهات أن يكون ذلك، فما أرسل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الهدى ودين الحق لا بد أن يتم ويظهر ويعلو ويهيمن، قال الله -تعالى-: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32)، وقال -تعالى-: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف:8). ونور اللّه‏:‏ دينه الذي أَرْسَل به الرسل، وأنزل به الكتب، وسماه اللّه نورًا؛ لأنه يستنار به في ظلمات الجهل، فهؤلاء اليهود والنصارى ومَن شابههم من المشركين، يريدون أن يطفئوا نور اللّه بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها دليل أصلًا‏. ‏

(وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)؛ لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والذي أنزله جميعُ نواصي العبادِ بيده، وقد تكفل بحفظه مِن كل مَن يريده بسوء، ولهذا قال‏:  (‏وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئًا‏. (انظر: تفسيرالسعدي).

"فمثلهم في ذلك كمثل مَن يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه؛ فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال -تعالى- مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (تفسير ابن كثير).

ولنا مع هاتين الآيتين ست وقفات:   

الأولى: دينُ الله، لا يوقفه حرب كافر، ولا تشغيب ملحد، ولا تلون منافق.

الثانية: صُدِّرت الآية بالفعل المضارع (يُرِيدُونَ): والذي يفيد التجدد والحدوث والاستمرار، وفي هذا دليل على أن أهل الباطل من الكفار والمنافقين لا يتوانون لحظة عن إرادة الشر بالدين وأهله، وإطفاء نور الله منذ ظهور هذا الدين، وإلى وقتنا وزمننا الحاضر، وستتجدد معهم تلك الإرادة وتستمر ما بقي هذا النور، وما بقيت فيهم قوة على النفخ، فلا عجب أن نرى تداعى أعداء الأمة، من كل حدب وصوب، وعلى اختلاف راياتهم وتنوع مذاهبهم، لوضع خطة لمواجهة هذا المد الإسلامي الجارف، في مشارق الأرض ومغاربها.

الثالثة: تكررت الآية في موضعين باختلاف لفظي بين الآيتين -في سورة التوبة وفي سورة الصف-: فقال الله -تعالى- في سورة التوبة: (أَنْ يُطْفِئُوا)، وقال في سورة الصف: (لِيُطْفِئُوا) من قوله -تعالى-: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .

وهناك فرق بين اللفظتين؛ ففي آية التوبة: يقصد الكفار إطفاء نور الله -تعالى- مباشرة، وإرادتهم متوجهة إلى الغاية (الهدف) بشكلٍ مباشرٍ، أما في آية الصف فيقصدون أمرًا يتوصلون به إلى إطفاء نور الله، فهم يريدون إعداد الوسائل التمهيدية والطرق المناسبة التي تضمن الوصول لغايتهم، وهي إطفاء نور الله من خلال طرق غير مباشرة، فتجدهم يرفعون شعارات إصلاحية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها وسيلة لما يريدونه، ولا شك أن خطورة هؤلاء في هذه الحال (الثانية)، وهي حال الغايات والأهداف المخفية، أشد خطورة من الحال الأولى، التي يصرحون فيا بمراداتهم ويعلنون فيها غاياتهم.

ويقول المفسر مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُور -رحمه الله-: "الفرق بين الآيتين هو كالآتي: أن آية التوبة في الكفار، وآية الصف في المنافقين، فالكفار يحاربون الإسلام صراحة (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32)، أما المنافقون فحربهم غير مباشرة فهم يعملون مشاريع وخططًا وأساليب (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، فلما كانت إرادة الكفار صريحة قُوبلوا بإرادة قوية وصريحة (وَيَأْبَى اللَّهُ)، أما المنافقون فلما كان قصدهم بمشاريعهم وخططهم إنقاص الدين قوبلوا بنقيض قصدهم (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ)" (التحرير والتنوير).

وفي هذا بشارة لأهل الإسلام بالانتصار الدائم على أعداء الدِّين، سواء كانوا ظاهرين أو مندسين؛ فأبشروا فإن دين الله متين، وإن الحق سينتصر، وإن الله سبحانه و-تعالى- ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته إن أخذه أليم شديد.

الرابعة: شتان بين نور الله العظيم والأفواه الضعيفة:

من المقرر عند النَّحْويين أن المضاف يتأثر بالمضاف إليه تأثرًا كبيرًا، ولما أضيف النور إلى الله صار النور قويًّا عظيمًا، لأنه اكتسب قوته وعظمته من القوي العظيم -سبحانه-، أما إضافة الأفواه وهي الآلة المستعملة في النفخ على ما فيها من ضعف عضوي وعضلي، يزداد ضعفًا من خلال إضافتها إلى المريدين لإطفاء النور، وهم الضعفاء المهازيل، فكان فيها تهكم بإرادتهم، وتصغير وتحقير شأنهم، وتضعيف كيدهم، فهم بالمقارنة مع قوة الخالق -سبحانه- ضعفاء مهما أوتو من قوة، وعاجزين مهما استعملوا من آلة؛ فكيف إذا كانت الآلة أفواههم؟!

الخامسة: قوله -تعالى-: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ):

الإباءُ: هو الامْتِناعُ بقوَّةٍ؛ فاللهُ -تعالى- هنا يأبى كُلَّ شيءٍ إلَّا إتمامَ نُورِهِ، وفي التَّعبيرِ بالفِعْلِ (يَأْبَى) من المُبالَغةِ والدَّلالةِ على شدة الامْتِناع، فهم يُريدونَ إطفاءَ النُّورِ، واللهُ الذي له جميعُ العَظَمةِ وكمالُ القُدْرةِ والعِزِّ ونفوذُ الكَلَمةِ (يَأْبَى) إلَّا أن يُتِمَّ نُورَه، ثُم يُجدِّدون الإرادةَ، واللهُ يَأْبَى، وما تَزالُ إراداتُهم تَتجدَّد، ويتجدَّد معها إباءُ العظيمِ- جلَّ وعلَا- وامتناعُهُ من كلِّ شيءٍ إلَّا إتمام النُّورِ، وذلك يَتناسَبُ مع الغايةِ الصَّريحةِ والجُرأةِ المُعلَنةِ التي ظَهَرتْ منهم في أَوَّلِ الآيةِ: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ فرايةُ الإطفاءِ لنُورِ اللهِ المُعلَنةُ بصراحةٍ وجُرأةٍ لا يُناسِبها إلَّا القوَّةُ في بيانِ الموقفِ الإلهيِّ.

أما قوله -تعالى-: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) أي: والله -تعالى- بقدرته التي لا يعجزها شيء، متم نوره، ومظهر دينه ومؤيد نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولو كره الكافرون ذلك، فإن كراهيتهم لظهور دين الله -تعالى- لا أثر لها ولا قيمة، فالآية الكريمة وعد من الله -تعالى- للمؤمنين، بإظهار دينهم، وإعلاء كلمتهم، لكي يزيدهم ذلك ثباتًا على ثباتهم، وقوة على قوتهم، وفيها بشارة لهم بأن ما هم عليه من حق، لا بد أن يعم الآفاق، وأن يبلغ ما بلغ الليل والنهار.

وعن تميم الدَّاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَرٍ إلَّا أدخله اللهُ هذا الدِّين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني).

وكان تميم الدَّاري يقول: "قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب مَن أسلم منهم الخيرُ والشَّرَف والعزُّ، ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا، الذُّل والصَّغَار والجِزْية".

السادسة: لقدِ اجْتَمعتْ في معاني هاتَينِ الآيتَينِ الصُّورُ التكامُليَّةُ التي تُظهِر بتفنُّنٍ حالَ دِينِ الحَقِّ، وإراداتِ أعدائِه وغاياتِهم ضِدَّهُ، لكن البيان لم يقف عند هذا الحد، بل يتأكد المعنى وتتضح الصورة من خلال الآية التي وردت بلفظ واحد بعد الآيتين في السورتين وهي قوله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف:9)، أي: اللهُ وَحْدَه هو الذي بعَثَ رَسولَه محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- بالعِلمِ النَّافِعِ المُشتَمِل على الإيمانِ الصَّحيحِ، ومعرفةِ الشَّرائِعِ والأحكامِ، وبَعَثَه بدِينِ الإسلامِ المُشتَمِل على الأعمالِ الصَّالحةِ النَّافعةِ في الدُّنيا والآخرة، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي: ليُعلِيَ اللهُ الإسلامَ بالغَلَبةِ والانتصارِ على أهلِ الأديانِ، ويُعلِيَه بالحُجَّةِ والبُرهانِ على سائرِ الأديانِ، ولو كره ذلك المشركون، فإن الله مظهره لا محاله، فإن كراهيتهم لا أثر لها في ظهوره، وفي إعلائه على جميع الأديان.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.