لا تَنْسَني!

  • 108

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحمد لله الذي رزقنا نعمة النسيان؛ فلولاها لما أحسسنا بحلاوة العيش، ولا بششنا في وجوه الرجال، ولا تصاببنا للأطفال، ولكانت حياتنا عيشة نكدة.

فالنسيان هبة الله لنا، والله لا يهب شيئًا للإنسان هباءً، والنسيان صفة أودعها الله في النفس البشرية، وقد سُمِّي الإنسانُ إنسانًا؛ لكثرة نسيانه.

وهي نعمة عظيمة لا نستطيع الاستغناء عنها، ومَن لم يحصل عليها قد يُصاب بأمراض نفسية عديدة، قد تصل لحد الجنون، ولها أثر لا يعرفه إلا مَن أصابه همٌّ وَوَدَّ لو أن كان نسيه أو أن يُمْحَى تمامًا من ذاكرته، فهناك بعض مِن الأمور المؤلمة التي تلم بالإنسان، ولا يستطيع أن يفعل حيالها شيئًا إلا أن ينساها أو يتناساها.

فأنت إن لم تنسَ؛ ستجد حياتك كلها متوقفة عند نقطة معينة لا تتحرك عندها؛ فقد يكون من الصعب أن تحدث لك أحداث مؤلمة، وتظل متذكرًا لها كما لو أنها حدثت منذ قليل، وتظل عالقة في ذهنك طوال الوقت لا تستطيع أن تفعل شيئًا تجاهها؛ فتنتابك الهواجس والمخاوف، والشعور بالضيق مما حدث، ويؤثِّر هذا بالسلب طبعًا على حياتك، فتصبح كل حياتك مركزة في التفكير في تلك الأحداث العقيمة التي قد حدثت وانتهت بالفعل، ولكنك ما زلت مهتمًا بها.

لذا منحك الله -سبحانه وتعالى- تلك النعمة (النسيان) كى تنسى ما حدث من أشياء مؤلمة، لا تود أن تتذكرها وأن تلتفت لحياتك وتنظر للأمام بروح التفاؤل من جديدٍ.

وقد يكون ما حدث لك من مواقف قد أثَّر فيك، ولكن سبحان الله ما أن تنسى حتى كأن شيئًا لم يكن، وتسير الأمور بشكل طبيعي، بل إنك قد تتعرض لنفس تلك المواقف مرة أخرى، فتجد نفسك قد أخذت حصانة أو مناعة ضدها، وذلك كله بفضل النسيان.

- فجميلٌ أن تنسى أحقادك وتبدأ صفحة جديدة مع كل مَن أساء إليك.

- أن تنسى أحزانك وهمومك، وتتذكر فقط أن كل مصيبة عدا الدِّين تهون.

- أن تنسى سقطاتك وانتكاساتك.

- أن تنسى جميلك وفضلك على الناس، وتذكر فقط تقصيرك في حق مَن حولك.

- أن تنسى عيوب وزلات صديقك.

- وقبيحٌ أن تنسى أنك عبدٌ فقيرٌ لا حول لك ولا قوة إلا بالاستعانة بالله.

- أن تنسى كرم الله ونعمه عليك؛ لتتذكر فقط ابتلاءاته واختباراته.

- أن تنسى فضل مَن أحسنوا إليك وسهروا على راحتك وأولهم وأعظمهم أبويك، أن تنسى جميلُ الصفاتِ في صديقك، أن تنسى إخوة لك في الله اجتمعوا على طاعة الله.

قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (طه:115).

قال المفسِّرون: إنه الترك. والمعنى: ترك ما أُمر به. وقيل: مِن النسيان الذي يخالِف الذكر.

روى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الدَّيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَحَدَ آدَمُ -عليه السلام-، إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ ذَارِيٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة، فَجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَر، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَم عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ أَزِيدَهُ مِنْ عُمْرِكَ، وَكَانَ عُمْرُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ، فَزَادَهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ، فَلَمَّا احْتُضِرَ آدَمُ، وَأَتَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لِتَقْبِضَهُ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ عَامًا. فَقِيلَ: إِنَّكَ قَدْ وَهَبْتَهَا لِابْنِكَ دَاوُدَ، قَالَ: مَا فَعَلْتُ، وَأَبْرَزَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ)، وفي رواية: (وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، فَمِنْ يَوْمِئِذٍ أُمِرَ بِالكِتَابِ وَالشُّهُود) (رواه الترمذي وابن حبان، وصححه الألباني).

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي). أي: أتركك. وهي صفة كمال لله، والنسيان صفة نقص؛ ولذلك نزه الله -عز وجل- عنها نفسه، فقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم:64).  

وقد رفع الله الحرج عن أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- فيما حصل لهم فيه نسيان؛ فعلَّمَنا أن ندعو فنقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوأخطأنا) (البقرة:286).

والأدلة على ذلك كثيرة، منها:

- حديث أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

- وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّها إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ).

- وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاه).

لكن احذر أخي:

قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إن لكل شيء آفة، وآفة العلم: النسيان"، وقال الزهري -رحمه الله-: "آفة العلم: النسيان وترك المذاكرة".

وينبغي للمؤمن أن يكون على استعدادٍ دائمٍ للقاء ربه، وألا يكون في غفلة ونسيان، قال -تعالى-: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) (الكهف:24).

والنسيان من وسائل الشيطان، ومن فضائل الرحمن، والفرق بينهما: أن الذي مِن الشيطان؛ نسيان الذكر والقرآن والخير، وما إلى ذلك من الحقوق، قال الله -تعالى-: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّه) (المجادلة:19)، وقال -تعالى-: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين) (يوسف:24)، وقال: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:68)، والذي يحبه الرحمن؛ نسيان الأحقاد وإساءة الأقارب، والأصدقاء، وسائر المؤمنين.

فاللهم ذكرنا ما نُسِّينَا، وعلمنا ما جهلنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.

والحمد لله رب العالمين.