مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (53) آيات من القرآن في ذم القسوة (31)

  • 96

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -تعالى-: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:17).

بيَّنَّا في المقالات السابقة: أن القسوة في القلب سبب موته، وأن حياته بالعلم وبالإرادة لوجه الله والدار الآخرة، وكذلك حياته بالأخلاق الحسنة والبُعد عن الأخلاق السيئة.

وفي هذا المقال نستكمل ببيان أعظم مراتب الحياة؛ وهي حياة الفرح والسرور، وقرة العين بالله؛ بالقرب منه وعظيم حبه، ودوام مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته، قال -تعالى-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58).

وهذا هو دين الإسلام وحقيقة الإيمان ومرتبة الإحسان، فهو فضل الله ورحمته التي لا يسعد إنسان إلا بها، ولا يفرح إلا بفوزه بوجود حقائقها في قلبه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: )وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وهو نعيم الجنة، وقرة العين فيها بالله -عز وجل-؛ فهي التي لا تنقطع.

 وإنما صارت الجنة جنة بالقرب منه والفوز برضوانه، ولذة النظر إلى وجهه، وإنما يحصل ذلك بالشوق -في الدنيا- إلى لقائه، وقرة العين بعبادته فيها؛ فهي السبيل إلى قرة العين به وبالنظر إليه، وسماع كلامه وسلامه في الآخرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

 ولا حياة نافعة للإنسان دون هذه الحياة، ولا سعادة ولا فرح ولا سرور دون هذه السعادة وهذا الفرح؛ فدار طلب الناس حول هذه الحياة والسعادة، وحُرِمَها أكثرهم؛ وسبب حرمانهم: ضعف أو فَقْد القوة العلمية المُبْصِرة؛ فيحصل بسبب ضعفها أو فقدها الضلال، وضعف القوة الإرادية المحرِّكة؛ فيحصل بسبب فقدها الغي، قال الله -تعالى- في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) (النجم:1-2)؛ فنفى عنه الضلال؛ لكمال قوته العلمية المبصرة -صلى الله عليه وسلم-، ونفى عنه الغي؛ لكمال قوة إرادته وتوجهه إلى الله -عز وجل- دون شهوات الدنيا.

ووصف الله -سبحانه وتعالى- الصراط المستقيم بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم بقوة العلم والبصيرة، وقوة الإرادة والقصد إليه؛ فقال آمرًا عباده المؤمنين أن يقولوا في فاتحة الكتاب: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6-7).

وبيَّن لهم أن مَن فَقَد قوة الإرادة للحق والعمل به -مع علمه به- فهو مِن المغضوب عليهم، وعلى رأسهم اليهود؛ الذين عَلِموا الحق وأبغضوه وحاربوه، قال الله -عز وجل- عنهم: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:146).

وبيَّن لهم كذلك أن مَن فقد قوة البصيرة فهو من الضالين، وعلى رأسهم النصارى الذين جهلوا الحق فأعرضوا عنه وعَمَّن جاء به، قال الله -تعالى-: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77).

فأكَّد ضلالهم عدة مرات في الآية الكريمة، وذلك بعد آيات كفر النصارى من أول قوله -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ... ) الآيات (المائدة:72-73)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَليْهم والنَّصَارى ضُلَّالٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "والمقصود أن هذه المرتبة من مراتب الحياة هي أعلى مراتبها؛ ولكن كيف يصل إليها مَن عقله مَسْبي في بلاد الشهوات، وأمله موقوف على اجتناء اللذات، وسيرته جارية على أسوأ العادات، ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات، وهمته واقفة مع السفليات، وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات؟!

فهو في الشهوات منغمس، وفي الشبهات منتكس، وعن الناصح مُعرض، وعلى المرشد معترض، وعن السراء نائم، وقلبه في كل وادٍ هائم؛ فلو أنه تجرَّد من نفسه، ورغب عن مشاركة أبناء جنسه، وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم، ومِن سجن الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النفس إلى طهارة القدس لَرَأى الإلف -(أي: العادة)- الذي نشأ بنشأته، وزاد بزيادته، وقوي بقوته، وشَرُفَ عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله قَذًى في عين بصيرته، وشَجًا في حَلْق إيمانه، ومرضًا متراميًا إلى هلاكه. 

فإن قُلتَ: قد أشرتَ إلى حياة غير معهودة بين أموات الأحياء، فهل يمكنك وصف طريقها لأصل إلى شيء من أذواقها، فقد بان لي أن ما نحن فيه من الحياة حياة بهيمية، ربما زادت علينا فيه البهائمُ بخلوها عن المنكرات والمنغصات وسلامة العاقبة؟

قلتُ: لَعَمْرُ اللهِ إن اشتياقك إلى هذه الحياة، وطلب علمها ومعرفتها لدليل على حياتك، وأنك لست من جملة الأموات؛ فأول طريقها: أن تعرف الله، وتهتدي إليه طريقًا يوصلك إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة؛ فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة؛ فينجذب إليها بكليته، ويزهد في التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، ثم يقوم حارسًا على قلبه؛ فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله، ولا بخطرة فُضُول لا تنفعه؛ فيصفو بذلك قلبه عن حديث النفس ووَسْوَاسِها؛ فيُفْدى مِن أسرها، ويصير طليقًا؛ فحينئذٍ يخلو قلبه بذكر ربه، ومحبته والإنابة إليه، ويخرج مِن بُيوت طبعه ونفسه، إلى فضاء الخلوة بربه وذكره؛ فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه، وطلبه والشوق إليه.

فإذا صدق في ذلك رُزِقَ محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واستولت روحانيته على قلبه؛ فجعله إمامه ومعلمه، وأستاذه وشيخه وقدوته، كما جعله الله نبيه ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهاديًا إليه، فيطالِع سيرته ومبادئ أمره، وكيف نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه، وآدابه في حركاته وسكونه ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه؛ حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه.

فإذا رَسَخ قلبه في ذلك فُتِح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه؛ بحيث لو قرأ السورة شاهد قلبه ما أُنْزِلَتْ فيه، وما أُريد بها، وحظه المختص به منها مِن الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة؛ فيجتهد في التخلص منها، كما يجتهد في الشفاء مِن المرض المخوف، وشاهد حظه من الصفات والأفعال الممدوحة؛ فيجتهد في تكميلها وإتمامها.

فإذا تمكن مِن ذلك انفتح في قلبه عينٌ أخرى، يشاهد بها صفات الرب -جل جلاله-؛ حتى تصير لقلبه بمنزلة المَرْئي لعينه؛ فيشهد علو الرب -سبحانه- فوق خلقه، واستواءَه على عرشه، ونزول الأمر مِن عنده بتدبير مملكته، وتكليمه بالوحي، وتكليمه لعبده جبريل به، وإرساله إلى مَن يشاء بما يشاء، وصعود الأمور إليه، وعرضها عليه.

فيشاهد قلبه ربًّا قاهرًا فوق عباده، آمرًا ناهيًا، باعثًا لرسله، مُنزلًا لكتبه، معبودًا مطاعًا، لا شريك له، ولا مثيل، ولا عَدْل له، ليس لأحدٍ معه مِن الأمر شيء؛ بل الأمر كله له؛ فيشهد ربه -سبحانه- قائمًا بالملك والتدبير، فلا حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط إلا بقدرته وتدبيره؛ فيشهد قيام الكون كله به، وقيامه -سبحانه- بنفسه، فهو القائم بنفسه، المقيم لكل ما سواه" (مدراج السالكين لابن القيم).

وللكلام بقية -إن شاء الله-.