والله يعصمك من الناس

  • 94

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبين الحين والآخَر يخرج علينا مَن لا خَلَاق له مِن أعداء الإسلام؛ ليتطاول على نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ولم يعلم هذا الأحمق المأفون أن الله عصم نبيه -صلى الله عليه وسلم- منه ومن أمثاله، وكفاه مَن استهزأ به وسخر منه وسبه أو لعنه.

 لقد وعد ربنا -جلَّ وعلا- رسوله -صلى الله عليه وسلم- أنه تكفَّل بالمستهزئين به، فقال -تعالى-: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر:95)، وقد تحقق ذلك فعلًا في حياته -صلى الله عليه وسلم-، وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة في حق كل مَن أساء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم إن المجرم الذي يسيء للنبي -صلى الله عليه وسلم- إذا لم تدركه عقوبة في الدنيا -فيما يبدو للناس-؛ فإن وراءه (يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (الإنسان:10).

يـومٌ عبوسٌ قمطريرٌ شرُّهُ في           الخـلـقِ منـتـشرٌ عـظـيمُ الشانِ

وقال -تعالى-: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر:3)، أي: إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئتَ به مِن الهدى والحق والنور هو الأبتر، أي: المقطوع الأذل، وهذه الآية ردّ مِن اللَّه -عز وجل- على جماعة مِن كفار قريش قالوا لَمّا مات ابن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: "إنه رجل أبتر لا عَقِبَ له، فإذا هلك انقطع ذِكْرُه"، فكان الجواب مِن جنس الاتهام؛ أخرج الشيخان مِن حديث أنس -رضي اللَّه عنه- قال: "كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ، فَأَلْقَوْهُ".

وقال -تعالى-: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة 67)، أي: بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك، وناصرك ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحدٌ منهم إليك بسوءٍ يؤذيك.

 وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة:67)، فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

وحين عَلِمتْ أم جميل زوجة أبي لهب -لعنهما الله- ما نزل فيها وفي زوجها من آيات قرآنية ذهبت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليهما قالتْ: "يَا أَبَا بَكْرٍ: أَيْنَ صاحبُك؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَهْجُونِي، وَاَللَّهِ لَوْ وجدتُه لضربتُ بِهَذَا الفِهْرِ فَاهُ، أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَشَاعِرَةٌ، ثُمَّ قَالَتْ: مُذَممًا عَصَينا، وأمرَه أبَينا، ودينَه قَلَيْنَا. ثُمَّ انْصَرَفَتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَرَاهَا رَأَتْكَ؟ فَقَالَ: مَا رَأَتْنِي؟ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ ببصرِها عَنِّي" (السيرة النبوية لابن هشام).

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لأصحابه -رضي الله عنهم- عن سبِّ وشتم أم جميل وغيرها من المشركين له: (أَلاَ تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ، يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ) (رواه البخاري).

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في قصيدته النونية:

وَالـلـه يَـصـرِفُ ذَاك عَن أهـلِ           الـهـدى كَمُحَمَّدٍ وَمُـذَمَّمٍ اسْمَانِ

هُـم يَـشتُـمُونَ مـُذَمَّمًا، وَمُحَمَّدٌ           عَن شَتـمِهِم فِي مَعزِلٍ وَصِـيَانِ

صَانَ الإِلَهُ مُحَمَّدًا عَن شَتْمِهِـم           فِي اللَّفظِ وَالمعنَى همَا صِنْوَانِ

وَالسَّبُّ مَرجِعُهُ إلَيهـِـم إذْ هُــمُ           أهـــلٌ لــِكُــلِّ مَــذَمَّــةٍ وَهَـوَانِ!

قال اللَّه -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31)، وهذه الآية تسلية لِلنبي -صلى الله عليه وسلم- وتصبير له -صلى الله عليه وسلم- على أذى المجرمين؛ لأن مَن قبله مِن الأنبياء -عليهم السلام- تعرَّضوا لمثل ذلك.

وقال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور) (الحج:38).

قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يخبر -تعالى- أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال -تعالى-: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) (الزمر:36)، وقال: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:3)، (تفسير ابن كثير).

وخير وأعظم وأكرم مَن توكل عليه وأناب إليه هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كان هذا في حق المؤمنين فما بالكم بحبيبه ورسوله ومصطفاه؟! -صلى الله عليه وسلم-.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.