المعركة الكبرى

  • 158

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد كان الاختبار يومها صعبًا للغاية وقاسيًا لأبعد مَدَى، فالقائد يطلب من جنوده أن يتعودوا على أقسى درجات التحمل؛ لكي يستطيعوا إكمال المسيرة وتحقيق النصر، مع أن المتعارف عليه بين الجنود دومًا أن قسطًا من الراحة وشربة تروي يمكن أن يكون أروح للنفس في استكمال السَّير.

وهنا موطن الداء... إنها النفس، لو مالت لما تستروح وتحب لما أكملت سيرًا ولا قطعت مسيرًا، ورغم طول الطريق وصعوبة السير وحرقة الشمس وقلة الزاد مع ما ينتظر من ملاقاة عدو جبار يملك العدد والعتاد؛ إلا أن القائد في الميدان يدرك أن نصره ونصر جنوده لن يكون حتى ينتصروا فى معركتهم الكبرى والأولى مع النفس؛ الدنيا وخضرتها وحلاوتها ولذتها، ظلها الوارف وحدائقها الغناء، ورياضها اليانعة، ومراكبها وفرشها الوثيرة.

إنها الدنيا ومغرياتها يمثِّلها هذا النهر المعترض طريق الجنود الظمأى والمتعبين من طول المسافات، يأتي الأمر من القائد... إياكم أن تقتربوا من النهر.

إياكم أن تشربوا منه أو تستلذوا ماءه فيقعدكم عن إكمال المسير.

يمكنكم فقط أن تبلوا شفاهكم...

مَن يشرب مِن النهر فلن يستطيع أن يكمل معنا؛ فقد استهواه النهر ومياهه العذبة، سيثقله الماء عن الحركة، سيصبع عائقًا لنا في سيرنا ومعركتنا.

فقط يمكنكم ان تبلوا شفاهكم ويكمل معنا أولئك الذين لم يشربوا، ولم يأخذوا من النهر إلا ما ابتلت به الشفاه؛ كانت هذه هي المعركة الأولى قبل الثانية مع جالوت وجيشه العرمرم، وكانت أيضًا هي المعركة الكبرى مع النفس قبل خوض المعركة مع العدو؛ فلا انتصار فى الخارج حتى يتم انتصارنا على الداخل (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران:120)، وهنا تحقق على أيدي أولئك: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة:251).

قلة صابرة من أمثال داوود إيمانًا وعبودية ويقينًا تستطيع أن تحقق نصرًا ساحقًا على كل جحافل الباطل، فالانتصار على الظلم والعدوان والطغيان، يبدأ أولًا بانتصار النفس على الشهوات وبالإيمان؛ فإذا هُزمنا في المعركة الأولى داخليًّا؛ فأنى لنا الانتصار على عدونا الخارجي؟!