مصر والشام وعز الإسلام (7)

  • 124

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتح قيسارية واستكمال فتح الأردن وشمس الإسلام تشرق على مصر:

بعد فتح بيت المقدس أمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يزيد بن أبي سفيان ومعه معاوية بن أبي سفيان إلى قيسارية بفلسطين، فضربا الحصار عليها، وأثناء ذلك أُصيب يزيد بالطاعون، فاستخلف عليها مُعاوية وعاد هو إلى دمشق.

وشدَّد معاوية الحصار على المدينة، ولم يتمكَّن مُعاوية من فتحها إلا بِمُساعدة اليهود، ففي إحدى ثوراتهم على حُكم الروم، ثار اليهود في قيسارية فأرسل هرقل أخاه فأخضع الثورة، وقتل مُعظم مَن فيها من اليهود وفرَّ من نجا؛ فجاء رجلٌ يهودي يُدعى يوسف إلى معسكر معاوية ودلَّهُ على نفقٍ يصل إلى بوابة القلعة داخل المدينة، فتسللت مجموعة من المقاتلين عبر ذلك النفق وفتحوا البوابة فدخل منها الجيش الإسلامي؛ ففوجئ الروم عندما رأوا الجُنود المُسلمين داخل المدينة، وتملكهم الذعر، فقُتل مُعظمهم وتم فتح قيسارية، وخِلال تلك الفترة استكمل شُرحبيل بن حسنة فتح إقليم الأردن، وكان قد دخل أكثرهُ في طاعة المسلمين قبل ذلك.

فتح مصر:

نبوءة وبشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح مصر:

يؤمن المُسلمون بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تنبأ وبشَّر بِفتح مصر، ومن ذلك حديثٌ جابر بن سمرة عن نافع بن عتبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ) (رواه مسلم).

ومن المعروف أن مصر كانت جزءًا من بلاد الروم، وكذلك فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح مصر، ودعا إلى الإحسان إلى أهلها، كما أخبر بدخول أهلها في الإسلام والذود عنه، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إلى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا) (رواه مسلم).

وفي رواية: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عندما حضرته الوفاة: (الله الله فِي قِبْطِ مِصْرَ فَإِنَّكُمُ سَتَظْهَرُوْنَ عَلَيْهِم وَيَكُونُونَ لَكُمُ عِدَّة وَأَعْوَانًا فِي سَبِيل اللهِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

وفي عصر النبوة أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المقوقس قيرس السكندري عامل الروم على مصر، يدعوهم إلى الإسلام، وكان حامل الرسالة إلى المقوقس هو حاطب بن أبي بلتعة، وقد ورد فيها: "مِن مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ وَرَسُولِهِ، إلى المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى. أمَّا بَعْد؛ فَإنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِم تَسْلَم، وَأَسْلِم يُؤتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِن تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ، (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إلا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64).

ولقد كان رد المقوقس لطيفاً، فكتب يقول: "لِمُحَمَّد بِن عَبْدُ اللهِ، مِنَ المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْك، أمَّا بَعْد. فَقَد قَرَأتُ كَتَابَك، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيْهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَد عَلِمْتُ أنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَد أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ لَكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيْمٌ، وِبِكِسْوَةٍ، وَهَدَيْتُ إَلَيْكَ بَغْلَةً لِتِرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْك" (الطبقات لابن سعد).

ونكمل في المقال القادم -إن شاء الله-.

rl(null,true)])