مقاصد المُكلَّفين (18)

  • 82

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زلنا نطوف حول مقاصد المُكلفين وأمر النية والإخلاص، وقد سلَّطنا الضوء في مقالنا السابق على مسألة ترك العمل من أجل الرياء، ثم هل حب المعصية مع تركها لله لا يجوز؟ وهل هذا يُعد نفاقًا؟ ثم نريد أن نلقي الضوء على مجموعة من المسائل المهمة، ومنها: أن السبيل الأول لجهاد النفس نحو أمر الرياء، هو الاستعانة بالله على الإخلاص والتعوذ به من الرياء واستشعار مراقبته -سبحانه وتعالى-، قال الله -عز وجل-: (فَفِروا إِلَى اللِّه إِنّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مبينٌ) (الذاريات:50)، فالسبيل الأقوم والأعظم هو أن نلجأ إلى الله -تعالى- محتمين به لائذين بجنابه، كي يخلصنا من الرياء، ويرزقنا الإخلاص.

ولنا في إبراهيم خليل الرحمن -عليه السلام- أسوة حسنة؛ إذ توجَّه إلى ربه كي يخلصه من الشرك الأكبر: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أنْ نَعْبدَ اْلأصنَامَ) (إبراهيم:35)؛ ولذا فإن كل مسلم يؤكِّد على هذا المعنى في صلاته: (إِيَّاكَ َنعبدُ وَإيَّاكَ نستَعِينُ) (الفاتحة:5)، فهو المعبود وحده دون سواه، فلا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، فلا قوة لنا إلا بالله -تعالى-، ثم علينا أن نتعوذ بالله -تعالى- من الرياء، ففي الحديث: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خاطب أصحابه قائلًا: (أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ، فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ)، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ؟ قَالَ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُهُ) (رواه أحمد والطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره).

وقد أرشدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى طريق النجاة، وهو السبيل الذي  نخلص به لله، ونصل به إلى أعلى المراتب وهي الإحسان، فقال في حديث جبريل الطويل وفيه: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: (الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (متفق عليه)، وفي رواية لمسلم: (أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، وفي رواية لأحمد: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ).

وقد عَلَّق الإمام النووي -رحمه الله- على هذا الحديث فقال: "وهذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدِّين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو مِن جوامع الكلم التي أوتيها -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه -سبحانه وتعالى- لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به".

ولعل مِن الأسباب المانعة من الوقوع في الرياء: النظر في عاقبة الرياء في الدنيا، فإذا عَلِم المرائي أن رياءه لن يجلب له نفع النَّاس، ولن يدفع عنه ضررهم، بل قد يجلب سخطهم وكراهيتهم ومقتهم كما يجلب كراهية الله وسخطه ومقته، فيخسر الدنيا والآخرة، ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حيث يقول: "ومَن تزين بما ليس فيه، شانه الله" (هذا النص جزء من رسالة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب إلى أبي موسى في القضاء، والحديث رواه الدارقطني والبيهقي).

وقد عَلَّق ابن القيم -رحمه الله- على هذا القول القيِّم قائلًا: "لما كان المتزين بما ليس فيه ضدَّ المخلص، فإنه يُظهِر للناس أمرًا، وهو في الباطن بخلافه؛ عامله بنقيض قصده، فإنَّ المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولمَّا كان المخلص يُعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة في قلوب العباد، عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه" (إعلام الموقعين 2/ 159).

وقد بيَّن -رحمه الله- أن المرائي قد يشينه عمله عند الناس؛ لأنَّهم يبحثون عنده عما يظهر أنه فيه، فلا يجدونه، فيعلمون كذبه، ولما كان مَن تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدِّين والشك والعلم وغير ذلك، قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها؛ فلا بد أن تُطْلَبَ مِنْهُ، فإذا لم توجد عنده افتضح، فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه.

 ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.